«كانت ليلة سودا ذكّرتنا بليالي زمان». تقول أمّ فيصل، متحدّثةً عن أحدث معركة شهدتها تخوم حلب الغربية. تؤكد السيدة أنها كانت واثقة من فشل الهجوم الذي شنّته المجموعات المسلّحة على محور جمعية الزهراء، وتضيف في الوقت نفسه: «طبعاً خفنا لأنو القذائف ما وقفت، خفت على ولادي، خفت على بيتي وعيلتي». وبالفعل، فشل الهجوم الذي شنّه المسلّحون، السبت الماضي، في إحداث تغيير في خريطة السيطرة، غير أنه أعاد المدينة إلى أجواء المعارك والاشتباكات التي ودّعتها منذ سنوات، من دون أن تتوقف القذائف عن استهداف أحيائها بين وقت وآخر. ويقول أبو محمد لـ«الأخبار» إن الوقت حان لـ«إنهاء هؤلاء الإرهابيين، حاج، لازم الجيش يخلصنا، ونحن متأكدين رح يخلصنا».

على المقلب الآخر، يقول أبو براء: «أنا وعيلتي ما عم نلاقي مكان ننام فيه، ما بقي مكان يؤوينا يا أمة الله». فرّ أبو براء وأسرته من مدينة سراقب، قبل أيام، على وقع تقدّم الجيش نحو المدينة الخارجة عن سيطرته منذ سنوات. «ضلّينا متحملين القصف، وعم نقول اللي إلو عمر ما بتقتلو شدة، بس لما وصلت المعارك لجنبنا نزحنا متل كل هالبشر». وتشهد أرياف إدلب موجة نزوح غير مسبوقة، بالتزامن مع توسّع دائرة العمليات العسكرية. وتشكّل أرياف حلب الخارجة عن سيطرة الدولة السورية وجهةً رئيسية للفارّين من المعارك، إذ يتحاشى الهاربون التوجّه إلى مناطق إدلب، ولو كانت خارج دائرة العمليات، بفعل عوامل عدّة، من بينها إحساسهم بأن المعارك ستصلها عاجلاً أو آجلاً، علاوة على وقوع معظم تلك المناطق تحت سيطرة «هيئة تحرير الشام/ النصرة».
يؤكد عاملون في الشأن الإغاثي، لـ«الأخبار»، أن حركة النزوح كثيفة بشكل غير مسبوق. «السيارات تمشي بالمتر، مو بالكيلومتر. بدك من سرمدا لباب الهوى 3 ساعات»، يقول مصدر مواكب لعمليات النزوح، في دلالة على كثافة العمليات (المسافة حوالى 5 كيلومترات فقط). ويواجه النازحون مشكلات كثيرة تتعلّق بانعدام أماكن الإيواء، وعدم اتساع المساجد والمدارس لهم، علاوةً على انعدام البيوت المتاحة للإيجار، ولو كان ثمن الإيجار باهظاً. «ولو الواحد بجيبو آلاف الدولارات ممكن ما يلاقي مكان يستأجرو»، يقول أحد العاملين في الشأن الإغاثي. وتؤكد مصادر إغاثية سورية أن «استجابة المنظمات الأممية هي في أدنى الحدود». بدأت موجة النزوح منذ اقتراب العمليات العسكرية من مدينة معرّة النعمان، وكانت الوجهات الأولية نحو مناطق سرمدا، وحارم، والدانا، وأطمة. وتستقبل هذه المناطق في الأصل أعداداً كبيرة من النازحين، ما جعل قدرتها على الاستيعاب قليلة. ومع تسارع العمليات العسكرية، ازدادت وتيرة النزوح، واتسعت الوجهات لتشمل، تباعاً، عفرين وإعزاز والباب (جميعها في ريف حلب، وتحت سيطرة المجموعات المحسوبة على أنقرة). وبدءاً من يوم الخميس الماضي، بدأت أعداد من النازحين بالتوجّه نحو مدينة تل أبيض، في مسار طويل ومعقّد (تقع المدينة في ريف الرقة الشمالي، وقد خضعت للاحتلال التركي في تشرين الأول الماضي)