أعلن تنظيم «داعش» تدشين مرحلة جديدة من مراحل «الجهاد». جاء ذلك في كلمة صوتية مسجّلة للمتحدث الرسمي الجديد للتنظيم، المدعوّ أبو حمزة القرشي. وعلى رغم أن الكلمة لم تخرج في سياقها العام عن المعهود، فإنها تضمّنت تفاصيل لافتة تستحق التوقف عندها، سواء في ما يتعلق بالخطاب المباشر الذي احتوته، أم بالرسائل المبطّنة الموجّهة إلى أطراف عدة. الكلمة، التي نُشرت قبل أيام عبر «مؤسسة الفرقان» إحدى أبرز الأذرع الإعلامية لـ«داعش»، جاءت مطوّلة مدّتها 37 دقيقة، وحملت اسم «دمّر الله عليهم وللكافرين أمثالُها».

أوّل ما يلفت في الكلمة، أسلوب المتحدث الرسمي الجديد باسم «داعش»، أبو حمزة القرشي، المختلف كلياً عن أسلوبَي سلفَيه، أبو الحسن المهاجر (الذي قُتل بعد يوم واحد من مقتل أبو بكر البغدادي)، وسابقه أحد أشهر المتحدثين في تاريخ التنظيمات «الجهادية» أبو محمد العدناني. جاءت نبرة القرشي أكثر هدوءاً، وبعيدة عن الانفعال الصوتي، حتى في المقاطع التي حفلت بالتهديدات. أَوْلى المتحدث أهمية خاصة لسرد تاريخ تنظيمه المتطرف، مع الحرص على تبيان ارتباط التنظيم بأبو مصعب الزرقاوي (الأردني أحمد فاضل خلايلة)، المعروف بكونه الأشدّ دموية بين أقرانه من القادة «الجهاديين» التاريخيين. لم تكن الاستفاضة في التذكير بتاريخ التنظيم مجانية، بل حُمّلت أهم الدلالات التي أراد المتحدث التركيز عليها، وهي استمرار التنظيم على رغم كلّ الهزائم التي لحقت به، وقدرته على العودة في كلّ مرّة، منذ مقتل الزرقاوي (الأب الروحي)، مروراً بمقتل الزعيم الفعلي الأول أبو عمر البغدادي، وانتهاءً بمقتل أبو بكر البغدادي. وقال القرشي، في هذا السياق، مخاطباً الولايات المتحدة بلقب «حامية الصليب» والذي يعتمده التنظيم منذ سنوات: «لقد جرّبتم حرب الدولة الإسلامية منذ أن كان القتال منحصراً في العراق، وزعمتم مراراً وتكراراً القضاء عليها، وفوجئتم باستمرار عمليات جنودها».

على «نهج الزرقاوي»
جاء مضمون الكلمة بعمومه منسجماً مع منهج الزرقاوي، القائم على تكفير الجميع، وعدم قصر المعركة على «الصليبيين». وفي الوقت نفسه، وسّع أهداف «الجهاد» بما يتجاوز رؤية الزرقاوي القائمة على «مجاهدة العدو القريب». يكتسب هذا التفصيل أهمية خاصة في إطار تشخيص توجّهات «داعش» المستقبلية، ويأتي أشبه بـ«العودة إلى الأصل». كان الزعيم السابق للتنظيم، أبو بكر البغدادي، في ثاني كلمة بُثت له، في نيسان من العام الماضي، قد حرص على وضع معركة تنظيمه في خانة «الحرب ضدّ الصليبيين»، وامتنع عن مهاجمة طوائف إسلامية دأب التنظيم على مهاجمتها في خطابه العام (راجع «الأخبار» 30 نيسان 2019). بدا ذلك التحوّل أشبه بانحراف مرحلي عن نهج الزرقاوي القائل بـ«مجاهدة العدو القريب»، وأقرب إلى تبنّي رؤية أسامة بن لادن، مؤسس تنظيم «القاعدة»، القائل بـ«مجاهدة العدو البعيد». أما القرشي، فقد أعلن «قتال كلّ الطوائف المحاربة للإسلام وأهله، من النصارى والروافض والمرتدّين المشركين المنتسبين لأهل السنة والجماعة زوراً». وقال إن محاولة الكثيرين «حصر القتال بالصليبيين» جاءت بغرض «بقاء حكومات الردّة تسعى في الأرض فساداً». لم ينطوِ هذا الانتقاد على مهاجمة لأبو بكر البغدادي، بل حرص المتحدث على تبجيله، ووصفه بـ«الأمير الكرّار وهادم الأسوار».

الديمقراطية: «فتنة العصر»
شنّ القرشي هجوماً على أطراف عدة، من بينها «دول الخليج، فتاوى شيوخ الردة، الملاحدة الأكراد، الصحوات». وبدا لافتاً حرصه على وضع «جبهة النصرة» وكلّ المجموعات السورية المسلّحة التي حاربت «داعش» في خانة «الصحوات». وتجلّى ذلك في حديثه عن المعارك التي شُنّت ضدّه في مطلع عام 2014، حين «نُقلت تجربة الصحوات إلى الشام، (...) واحتفلوا بإخراج مجاهدي الدولة الإسلامية من بعض مناطق شمال الشام وغربها». (راجع «الأخبار» 6 كانون الثاني 2014). كذلك، اهتمّ القرشي، على وجه الخصوص، بمهاجمة «شَرَك الديمقراطية»، والتذكير بموقف الزرقاوي منها، وبالاستهداف المتكرّر لصناديق الانتخابات في العراق على امتداد سنوات، في ما سمّاه محاربة لـ«فتنة العصر الكبرى: الديمقراطية والعلمانية».

نصّب التنظيم نفسه «مجاهداً» ضدّ «صفقة القرن» التي أُعلنت أول من أمس


«مرحلة جديدة»
لم تكن مستغرَبة استفاضة القرشي في تعداد «مآثر داعش»، ولا سيّما «كسر الحدود، وإنهاء سايكس بيكو، وإعلان الخلافة، وتلقي بيعات من مشارق الأرض ومغربها». وواصل استعراض الأحداث، مروراً بتشكيل «التحالف الدولي»، ووصولاً إلى «ملحمة الرمادي، والموصل وسرت والباغوز، التي أعلنوا بعدها انتصارهم على الدولة الإسلامية». سخر القرشي من هذا الإعلان، وتساءل: «كيف وجنودها ما زالوا منتشرين في مختلف أصقاع الأرض، وبعض مناطق تمكينها ما زالت موجودة، ونكايتها بالكفار والمرتدين لم تنقطع ساعة من زمن؟»، ليخلُص بعد ذلك إلى أن «كلمة: باقية، ليست شعاراً، بل هي منهج راسخ». وقال المتحدث إن التنظيم قد بدأ مرحلة جديدة في الصراع، و«ما زالت عيون أجناد الخلافة في كلّ مكان على بيت المقدس». وأعلن، في هذا السياق، أن الزعيم الجديد للتنظيم، أبو إبراهيم القرشي، قد قرّر إطلاق «مرحلة جديدة، ألا وهي قتال اليهود، واسترداد ما سلبوه من المسلمين، وفتح بيت المقدس وتسليم الراية لمحمد بن عبد الله المهدي (المنتظر)». التنظيم خاطب، على لسان متحدثه، مقاتليه و«مبايعيه» في كلّ مكان، وخاصة في «ولاية سيناء الحبيبة، والشام المباركة»، قائلاً: «دونكم مستوطنات وأسواق اليهود، فاجعلوها أرضاً لتجربة أسلحتكم، وصواريخكم، الكيماوية وغيرها». ويُعدّ هذا النداء بمثابة إقرار من التنظيم بامتلاكه أسلحة كيماوية، (أو زعمه ذلك)، وإعلاناً بأنه على وشك استخدامها.

مواكبة للمستجدّات
لم يغفل المتحدث أهمية مواكبة أحدث التطورات في المنطقة، إذ أشار إلى «صفقة القرن»، ونصّب تنظيمه «مجاهداً» ضدّها. كما تطرّق إلى اغتيال القائد السابق لـ«فيلق القدس» في الحرس الثوري الإيراني، قاسم سليماني، واصفاً إياه بأنه أحد «قادة المجوس الذين ساموا أهل السنة سوء العذاب». وهاجم كلّاً من «حزب الله» و«حركة حماس»، واصفاً الأخيرة بـ«حركة الردّة والعمالة»، وواحدة من «فصائل العار وعملاء إيران»، مندّداً بتعزيتها بسليماني. وخاطب القرشي، الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ووَصَفه بـ«كلب الروم». كذلك، عدّد «ساحات المعارك» المقبلة، وهي «العراق، واليمن، والشام، وسيناء، وليبيا، والصومال، وخراسان، وباكستان، والهند، والقوقاز، وغرب ووسط أفريقيا، وتونس، والجزائر». ولم ينسَ «المباركة بالبيعة للخليفة الجديد»، خاصّاً المؤسسات الإعلامية التابعة للتنظيم والعاملين فيها بالمديح. وبارك «غزوة الثأر» لمقتل البغدادي، وأوصى بمضاعفة العمل وتكثيف الهجمات. أيضاً، أوصى مقاتلي التنظيم في «ولاية خراسان» بالصبر، وتوعّد حكومة العراق بأن «الحرب في مرحلة جديدة لتوّها بدأت. لا نقول نحن على مشارف مدنكم، بل نقول بتنا على مشارف أسرتكم». ووجّه «الرسالة ذاتها إلى الملاحدة الأكراد»، بعد أن «خرجت الطائرات من حربكم معنا، ولا بد من أن تسدّدوا أضعاف ما فعلتموه، ولن ينفعكم اللجوء إلى أحضان النصيرية أو الروس». أما الفرصة الوحيدة، فقد أتيحت أمام «بعض العشائر والأفراد الذين ثبت تورطهم في معاونة جيش وشرط الحكومات والأحزاب المرتدة». وعلى رغم تحذيرهم من أن «الحساب قادم والفاتورة طويلة»، فقد منحهم فرصة لكلّ من «أصلح سريرته، ورجع عن هواه، وأظهر لنا حسن فعله ونواياه».



سلاح الإعلام
استكمل تنظيم «داعش» عملية «إعادة هيكلة» للقطاع الإعلامي فيه، مكثّفاً نشاطه في هذا المجال بصورة لافتة في خلال الشهرين الأخيرين، عبر مؤسساته الإعلامية المعروفة سابقاً، ومؤسسات أخرى مستحدثة. اهتمّ التنظيم، على وجه الخصوص، بالإصدارات المرئية والصوتية باللغتين الإنكليزية والفرنسية. ومن بين أبرزها، شريط فيديو نُشر أخيراً، تضمّن نشيداً «جهادياً» باللغة الفرنسية. النشيد، الذي حمل اسم «الدم بالدّم»، قاربت مدته أربع دقائق، ورافقته لقطات مصوّرة لمشاهد دمار، ولأطفال مسلحين يرفعون رايات التنظيم، ويتدرّبون في معسكراته، إضافة إلى لقطات لسياسيين ورؤساء، مثل الرئيس الأميركي دونالد ترامب، والروسي فلاديمير بوتين، والفرنسي إيمانويل ماكرون، والسوري بشار الأسد. كان لحن النشيد هادئاً وسلساً، وأدّته أصوات طفولية جميلة، على رغم احتواء كلماته تهديدات دموية بالقتل وجزّ الرقاب، مثل «أموالكم وحياتكم ليست معصومة / ستسيل دماؤكم بسبب جرائمكم البغيضة». ومن بين الإصدارات اللافتة أيضاً، تبرز سلسلة مصورة، حملت عنوان «كلمات رُويت بالدماء»، وتختصّ بإعادة نشر مقاطع من كلمات أبو مصعب الزرقاوي، مثل كلمته الشهيرة «ولتستبين سبيل المجرمين»، التي تركّز على مهاجمة الديمقراطية.