كلّ المؤشرات التي تبعث بها التحرّكات العسكرية في ريفَي إدلب وحلب تفيد بقرب انطلاق معركة كبرى في المنطقة، وعلى محاور عدّة، ربما لم يكن بعضها ضمن محاور عمليات سابقة منذ سنوات. ويبدو أن الأجواء الإيجابية التي عكسها وقف إطلاق النار في المنطقة، المتّفق عليه بين الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين والتركي رجب طيب أردوغان، قبل أسبوعين، كان مبالغاً في تصويرها؛ إذ لم تشكّل الهدنة سوى فرصة قصيرة لإعادة التجهيز والتحشيد لاستئناف المعارك، وربما بوتيرة أعلى واتجاهات أشمل.

منذ أسبوع تقريباً، وحملات القصف الجوي والمدفعي والصاروخي لم تتوقف من جانب الجيش السوري، ضدّ أهداف واضحة ومحددة، وضمن محاور عمليات قريبة من خطوط التماس، وليست في العمق. كذلك، لم تتوقف المجموعات المسلحة عن قصف أحياء مدينة حلب من المحاور الغربية، ما أدى إلى وقوع عشرات القتلى والجرحى من المدنيين. وعلى الأرض، لم يُقدِم الجيش على أيّ عمليات هجومية حتى صباح أمس، عندما استعاد السيطرة على بلدة السمكة جنوب شرق مدينة معرّة النعمان، في ريف إدلب الجنوبي الشرقي. في المقابل، وعلى مدى ثلاثة أيام، شنّت المجموعات المسلحة، بمشاركة «هيئة تحرير الشام» ومسلحي «الحزب الإسلامي التركستاني»، هجمات سريعة وخاطفة على عدة محاور، في ما بدا محاولة لإشعال حرب استنزاف بوجه الجيش. هجمات المسلحين أدّت إلى خسائر بشرية كبيرة في صفوف الجيش، الذي خسر أيضاً عدداً من مواقعه في ريف إدلب الجنوبي الشرقي، قبل أن يستعيد بعضها في عمليات محدودة أمس. كما بدا لافتاً هجوم شنّته الفصائل على مواقع الجيش في المحور الغربي لمدينة حلب، والذي لم يشهد أيّ عمليات هجومية جدّية منذ تحرير مدينة حلب عام 2016، ما يشير إلى وجود قرار بالتصعيد. وكانت المحاور الحلبية الغربية شبه محيّدة عن المعارك في منطقة إدلب طوال السنتين الماضيتين، بعدما شكّلت مسرح عمليات واسعة وعنيفة لسنوات قبل ذلك.
صباح أمس، استعاد الجيش قرية السمكة في ريف إدلب الجنوبي الشرقي، بعدما سيطر عليها المسلحون في هجوم شنّوه فجر الأول من أمس. وذكرت وكالة «سانا» أن «وحدات الجيش العاملة في ريف معرّة النعمان، وبعد امتصاصها الهجوم الكبير الذي شنّه إرهابيو جبهة النصرة والمجموعات التي تتبع لهم أمس (أول من أمس) على محور التح - أبو جريف - السمكة، قامت بإعادة الانتشار والتجميع على اتجاه قرية السمكة وطهّرتها من الإرهابيين». وأضافت أن «وحدات الجيش تتابع عملياتها على محور التح - أبو جريف لتطهيرهما من الإرهابيين». كما شنّ الجيش حملات قصف واسعة ضدّ تجمعات المسلحين في ريفَي إدلب الجنوبي والشرقي، وريفَي حلب الجنوبي والغربي. واستهدف القصف، بشكل خاص، بلدة المنصورة وحيّ الراشدين وقرية كفرحمرة في ريف حلب الغربي، بالإضافة إلى قرية خان طومان في ريف حلب الجنوبي.

استعاد الجيش أمس قرية السمكة في ريف إدلب الجنوبي الشرقي

وتثير تحركات الجيش مخاوف الفصائل التي تتوقع عملية عسكرية واسعة على عدّة محاور في المنطقة. وفي هذا الإطار، يؤكد مصدر عسكري سوري، في حديث مع «الأخبار»، أن «الجيش لم يتوقّف عن العمل لاستعادة السيطرة على منطقة إدلب بالكامل، وهذا هدف علني لدى الدولة»، لكنه يشير إلى تغيّر محتمل في نوعية الهجوم ومحاوره؛ إذ «يعمل الجيش حالياً على توسيع محاور العمليات الهجومية وتنويعها، ويهدف من خلال ذلك إلى تشتيت حشود المسلحين وجهدهم الحربي»، مشدداً على أن «ريفَي حلب الغربي والجنوبي لن يكونا بمعزل عن العمليات المرتقبة». ويلفت إلى احتمال فتح ثلاثة محاور للعمليات: «الأول: محور مدينة معرة النعمان، والثاني: محور مدينة سراقب، أما المحور الثالث فهو: الضواحي الغربية لمدينة حلب».
في خضمّ ذلك، تحدّثت معلومات صحافية عن اجتماع عُقد أول من أمس بين فصائل «الجيش الوطني» العاملة في محافظة إدلب، والقيادة التركية في أنقرة، تحت عنوان «مواجهة التطورات الميدانية المحتملة». وحضرَ الاجتماع، من جانب المسلحين، وزير الدفاع في «الحكومة السورية المؤقتة» سليم إدريس، إضافة إلى قادة فصائل «الجبهة الوطنية للتحرير»، التابعة لـ«الجيش الوطني». وفيما لم يتّضح مستوى حضور الجانب التركي، أفادت مصادر مطلعة بأن «الاجتماع حضره الضباط الأتراك المعنيون في منطقة إدلب، وقيادة الجيش التركي، ومسؤولون سياسيون كبار». كما تداولت تنسيقيات المسلحين أخباراً عن حضور الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ورئيس جهاز المخابرات التركي حاقان فيدان. وبحسب المعلومات، فإن الجانب التركي أبلغ قيادات فصائل «الجيش الوطني» بأن المباحثات مع روسيا «لم تحقق نتيجة»، وأن «الأخيرة ذاهبة نحو الحلّ العسكري»، وبالتالي «يجب على الفصائل أن تدافع عن نفسها بوجه هجوم الجيش السوري». كما تعهّدت أنقرة، بحسب المعلومات، «بدعم الفصائل عسكرياً». وتتفق هذه الأجواء مع تصريحات أطلقها وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، في مستهلّ لقائه المبعوث الأممي إلى سوريا، غير بيدرسون، أمس، حيث اعتبر أن «الوضع يتحسّن على أرض الواقع، فالمنطقة التي يسيطر عليها الإرهابيون تتقلّص»، مشيراً إلى استمرار «العمل للتغلب على فلول الجماعات الإرهابية في كلّ من منطقة إدلب وشمال شرق البلاد»، مشدداً على وجوب «القضاء على بؤرة الإرهاب في إدلب».