على المدخل الشمالي لدمشق، كان بالإمكان متابعة حركة الشاحنات القادمة من المنطقة الشرقية في موسم حصاد القمح قبل أشهر. شاحناتٌ قُدّر ما عبر منها آنذاك، يومياً، باتجاه المدن الساحلية والداخلية والعاصمة، بحوالى مئتي شاحنة. رقمٌ كبير يُعزى، من ضمن ما يُعزى إليه، إلى ما شمل البلاد هذا العام من «رعاية إلهية»، تَمثّلت في معدّل متساقطات ازداد في الرقة بنسبة 250% عن العام الماضي، حيث وصلت كمية الأمطار الشتاء الماضي إلى 78 ملم. وتحتلّ محافظ الرقة المرتبة الثالثة في إنتاج القمح بعد حلب والحسكة، فقد وصل إنتاجها إلى 610 آلاف طن عام 2010، تليها دير الزور، فيما دخلت حماه على خارطة إنتاج القمح هذا العام بنسب متقدّمة. وأثّر اندلاع الحرائق التي أتت على جزء من محصول القمح، السنة الحالية، على مستوى المحاصيل، إذ قُدّرت الخسائر إثر ذلك بنسبة 20% من مساحة الأراضي المزروعة قمحاً. وعلى رغم الحرائق ومشاكل زراعية أُخرى، إلا أن إنتاج القمح لعام 2019 بلغ 2.2 مليون طن، فيما لم يتجاوز 1.2 مليون طن خلال العام الماضي.

وعلى مستوى الموازنات، خصّصت الإدارة الذاتية الكردية 200 مليون دولار لشراء 500 ألف طن من المزارعين المحليين، وفق أسعار أقلّ بنسبة 10% من أسعار شراء الحكومة السورية، التي خصّصت بدورها 650 مليون دولار لشراء 900 ألف طن من القمح المحلي، بثمن أعلى مما تدفعه لاستيراد القمح الروسي. واشترت «المؤسسة العامة لتجارة وتخزين وتصنيع الحبوب»، مطلع العام الحالي، 200 ألف طن من القمح الروسي بسعر 270دولاراً للطن الواحد، بما يتضمن تكاليف الشحن، وفق ما أعلنت. وبحسب وكالة «رويترز»، فإن المؤسسة المذكورة طرحت لاحقاً مناقصة عالمية لمبادلة 100 ألف طن من القمح السوري الصلب (المخصّص لصناعة المعكرونة) بكمية مماثلة من القمح الليّن المعدّ لصناعة الخبز. وأتى ذلك بعد إلغاء مناقصة لمبادلة الكمية نفسها بقمح ليّن روسي، كان موعدها النهائي في 17 أيلول/ سبتمبر الفائت، إثر فشل الاتفاق بين الطرفين.

بين الدولة والفلاحين.. وسطاء!
ويحدّد مدير زراعة الرقة، علي فياض، أوّل عوائق زراعة القمح في المحافظة بالمشكلات المتعلقة بالريّ، إذ أنه، بالنظر إلى أن مشروع محطة الرقة للريّ يقع تحت سيطرة «قسد»، فإن «الدولة السورية بحاجة إلى استكمال إصلاح مشاريع الريّ الحكومية وإصلاح الأقنية والمنشآت العامة المرتبطة بتأمين مستلزمات الإنتاج المصرفية على شكل قروض زراعية، مع العلم أن الآبار تروي 6 آلاف هكتار في المنصورة وحدها». ويوافق رئيس جمعية فلاحية في ريف الرقة الشرقي، صالح الشبلي، على تحديد أول صعوبات زراعة القمح بتأخر مشاريع الريّ، إذ يعتبر أن فترة توقف الأمطار خلال فترة ما قبل الحصاد تتطلّب تأمين الريّ، أو يمكن القول «على الموسم السلام». ويلفت الشبلي إلى أن مشاريع الريّ نُفّذت بعد نهاية الموسم، في حين تضاعفت مساحات زراعة القمح قياساً للعام الماضي. وينفي «وجود خطر على المخزون الاستراتيجي من القمح في سوريا، بعدما ولّت مرحلة سيطرة داعش»، إلا أن «الحاجة كبيرة إلى إعادة نشاط المصرف الزراعي وفروعه في الرقة، لتقديم الدعم المتوقف للمزارعين من أدوية وسماد وقروض ومنح حكومية وجرّارات وأساليب حديثة للري» كما يقول، مضيفاً: «عدنا إلى الأساليب الزراعية البدائية». وإلى جانب مشكلة الريّ، تضاف مشكلة أخرى متمثلة في شراء الحكومة السورية كميات كبيرة من القمح من مناطق سيطرة «قسد» عبر وسطاء من التجار يشترون من الفلاحين ويأتون بالإنتاج إلى مناطق سيطرة الدولة. ويُسعَّر هذا القمح بأعلى من السعر الذي تشتري به الإدارة الذاتية الكردية. وفي هذا الإطار يوضح الشبلي أن الوسطاء «يأخذون عمولتهم من الدولة السورية»، فيما «تكاليف نقل القمح والشعير على الدولة أيضاً». والجدير ذكره، هنا، أن الحكومة السورية بدأت، منذ أشهر، بجمع القمح من مناطق سيطرة «قسد» بمعدل 80 شاحنة يومياً، فيما تصل في بعض الأيام إلى ذورتها بما يقارب 200 شاحنة.

خصّصت الحكومة 650 مليون دولار لشراء 900 ألف طن من القمح المحلي


فضلاً عما تقدّم، يشير الفلاح جاسم إبراهيم الأحمد إلى أن «جزءاً من مساحات زراعة المنتج الزراعي الاستراتيجي (القمح) تحول إلى زراعة الشعير، لأن بذاره أقلّ ثمناً ويسهل تأمينه». ويضيف أن «عشبة الباذنجان البرّي عادت للانتشار في ريف الرقة مع خروج مناطقها عن سيطرة الدولة السورية التي كانت تكافحها، فهي تمثل تحدّياً أساسياً، إذ أنها تبيد حقول القمح بشكل مريع». وفي انتظار تذليل صعوبات متعلقة بما جرى تخريبه من جسور وطرق زراعية، يلفت فياض إلى أن مديرية زراعة الرقة تقدم مساعدات للمزارعين في ما يتصل بجودة البذار ونوع الأسمدة.