تتواتر الأخبار الميدانية من شرق البلاد وشمالها إلى الساحل السوري، الذي يترقّب التطورات هناك بعين القلق، وسط أنباء مقلقة أحياناً من ريف اللاذقية الشرقي. وبين مَن يشغل باله بالاطمئنان على ابن يقاتل على أسوار المدن التي تحتلّ نشرات الأخبار، ومن يهتمّ بمصير منطقة نزح منها تاركاً خلفه أرزاقاً أو عائلة، تبدو الأحداث المستقبلية مصيرية. بعض الحلبيين عادوا إلى مدينتهم سريعاً، وآخرون لا يزالون في انتظار ترميم مساكنهم، فيما قسم ثالث بات يرفض العودة ويفضل الاستقرار في الساحل. الأمر نفسه ينسحب على النازحين من إدلب وريفها. جزء منهم يتمنى العودة إليها، فيما يرفض آخرون الإياب حتى في حال تحرير مدينتهم. المشترك الوحيد بين هؤلاء جميعهم هو أن حياتهم الاجتماعية لن تعود كما كانت، بعدما انفرط العقد الاجتماعي بين أبناء كلّ مجتمع، وجرّب أفراده حيوات أخرى ما كانوا يتخيّلون اختبارها يوماً، ومنهم من استساغها.

تمضي أم محمد إلى عملها في خدمة البيوت كلّ صباح. تعمل ابنة أريحا بجدّ لتحصيل قوت أطفالها، حالمة بالعودة إلى بيتها الريفي الواسع وأشجار حديقتها. تبوح بتفاصيل حياتها السابقة، إذ كانت ربة منزل تشرف على عمل خادمتين لديها. قبيل نزوحها، ولدى انتقالها تكراراً من منطقة سكن زوجها إلى إحدى قرى جبل الأربعين لزيارة أمها، كانت تعبر على حواجز الجيش السوري بصعوبة بسبب وضعها النقاب، وهذا ما جعلها تكتفي بارتداء الحجاب بحسب ما تشرح لأفراد عائلتها. وفي أعقاب استعار نيران المعارك في أريحا، فقدت أم محمد زوجها، ونزحت إلى اللاذقية برفقة أولادها. تتقاطع حكايتها مع قصة أميرة، المرأة الحلبية الثلاثينية، التي كانت مكتفيةً بكونها ربّة منزل في حيّ الشعار. تعمل المرأة اليوم في مشغل للخياطة بأجرة يومية، من غير أن تتخلى عن حجابها، وبمطلق حريتها. سنوات طويلة مرّت على سكنها في اللاذقية، قبل أن تقرّر العودة أخيراً إلى حلب. تؤمّن اليوم مدخولها بنفسها. تقول بثقة: «جرّبت معنى إني إشتغل وأكسب مصاري بعمل شريف. ويمكن كون رهينة العمل، يعني إذا ما اشتغلت ما باكل. بس أكيد اليوم أنا حرة أكتر ما كنت قبل. وما رح إرجع لأسلوب حياتي السابقة. لقيت شغل بمحل ألبسة بحلب، ورح تابع فيه».
وإذ خرقت الحرب أسوار العادات والتقاليد الصارمة في معظم المجتمعات السورية، فإن الحاجة فرضت ظروفها الخاصة، ليصبح أكثر الناس تشدّداً أول المبادرين إلى منح تبريرات وأعذار. أبو علاء، رجل خمسيني متديّن يعمل في مجال المفروشات في اللاذقية. يقول: «تغيّر الزمن، والحرب ظالمة. الناس بدها تعيش»، مضيفاً: «حتى أولادنا بالمدرسة اختلطوا ببعض بأعمار صغيرة. وتآلفوا صبيان وبنات. ما فينا نعيش بزمن ماضي. هاد العصر اختلف. والمجتمع كلو هيك». وحول ما كان يتردّد في مجتمعات ما قبل الحرب عن الفتيات اللواتي يخرجن عن المألوف، يعلّق بحزم قائلاً: «كل حدا هلأ مشغول بأهل بيتو. ما حدا فاضي يرمي بلا على غيرو، ولا حدا عارف بوضع جارو هالإيام. الله يعين الناس». تقول الحاجّة أم خالد، جارة الرجل، إنه كان صاحب اللسان الأكثر سلاطة في الحيّ قبل سنوات، وتضحك عندما تعرف رأيه الحالي.
وفي هذا المقام أيضاً، لا بدّ من استذكار أحوال المحاكم السورية التي انتشرت فيها حوادث وقضايا تتعلق بخلافات قانونية بين ذوي الشهداء أنفسهم. تحتفظ سجلات المحكمة في اللاذقية بتفاصيل عن قضية يطالب فيها والدان بحصتهما القانونية من راتب ابنهما الشهيد، لتقاسمها مع زوجته وأبنائه. قضية أُخرى تكشف إخراج رجل ستيني لأحفاده وأمهم من منزل يمتلكه، بعد مدة من ورود أخبار عن استشهاد ابنه، لأسباب تتعلق بخلافات شخصية مع «الكنّة». يعلّق حسين، موظف في المحكمة: «قضايا كثيرة مشابهة توضح تغيّر مفهوم العيب في هذا الزمن. لم يكن يمكن لجدّ أن يلقي بأحفاده إلى الشارع، فما بالك إن كانوا أولاد شهيد؟!». وإن كانت بعض التغيّرات التي شهدها المجتمع السوري تصنّف «إيجابية»، فإن توحّشاً واضحاً ساد المشهد لمصلحة تغوّل الأنا وانعدام الضمير في مفاصل عديدة.