الحسكة | وسط الأجواء «الإيجابية» التي تلفّ افتتاح أعمال «اللجنة الدستورية» في جنيف، يتّجه المشهد في شمال شرقي سوريا نحو مزيد من التعقيد، مع ارتفاع حدة الاشتباكات في محيط بلدة رأس العين بين فصائل «الجيش الوطني» المُدارة والمدعومة تركياً، وبين وحدات الجيش السوري و«قوات سوريا الديمقراطية» على الجانب المقابل. ولا يبدو أن التفاهمات الميدانية بين دمشق و«قسد»، والتي أفضت إلى نشر وحدات حرس الحدود على خطوط التماس مع قوات الاحتلال التركية، قابِلة للتطور بيسرٍ إلى صيغة قابلة للتطبيق، بما يتيح تحجيم التمدد التركي ولجمه. كما أن التفاهمات الروسية - التركية حول الدوريات المشتركة لم تجد طريقها إلى التنفيذ حتى الآن، وسط تشكيك تركي في إعلان انسحاب «وحدات حماية الشعب» الكردية من المنطقة الحدودية، وفق «اتفاق سوتشي» الأخير. وخرج الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، مُهدِّداً من جديد بشنّ عملية عسكرية «إذا لم يتم (انسحاب الوحدات) بشكل كامل».

أبرز مظاهر التوتر في المنطقة الحدودية كان تأجيل انطلاق الدوريات الروسية - التركية المشتركة في منطقة بعمق عشرة كيلومترات، والذي كان مقرراً أمس، قبل أن يعلن أردوغان أن تلك الدوريات ستبدأ الجمعة المقبل، وبعمق سبعة كيلومترات فقط، فيما أكد وزير الدفاع التركي، خلوصي أكار، أن المحادثات مع المسؤولين الروس اختُتمت وتم «إلى حد بعيد» التوصل إلى توافقات. وإذا ما استمر الواقع الميداني على هذا المنسوب من التصعيد، فلن يكون مصير الدوريات الجديدة مختلفاً عن مصير نظيرتها «الأميركية ــ التركية» في منبج وشرقي الفرات. وكان لافتاً خلال الأيام الماضية تغيير القوات التركية أسلوب المعارك، من القصف الجوي والمدفعي، إلى تنفيذ هجمات برية بتغطية من المدفعية والطيران المسير، وهو ما أفضى إلى احتلال أكثر من 80 قرية وبلدة في أرياف تل أبيض ورأس العين وتل تمر.
أمس، تركّزت الهجمات التركية على محور بلدة أبو رأسين، بعد قطع الطريق بينها وبين تل تمر، وذلك بهدف احتلالها، واتخاذها قاعدة لهجمات على الدرباسية، وطريق القامشلي ــ تل تمر (الطريق M4 الدولي). وترافقت الهجمات التركية مع انسحاب وحدات الجيش السوري من أرياف رأس العين الشرقية والجنوبية، وريف تل تمر الشمالي، وإعادة التمركز في بلدة تل تمر، وأرياف الدرباسية وعامودا، ومحاذاة الطريق الدولي، حتى أطراف بلدة مبروكة. وجاء الانسحاب على خلفية كثافة القصف التركي المدفعي، في مقابل ضعف قدرات وحدات الجيش التسليحية، لأسباب عدّة، تتضمن في ما تتضمن توجيه اتهامات لـ«قسد» بعرقلة التواصل بين القوات الموجودة في ريف الرقة وتلك المنتشرة في الحسكة. وهو ما يرفضه مصدر مقرّب من «قسد»، معتبراً أن الأخيرة «نسّقت لإدخال السلاح الثقيل إلى عين العرب وريف الرقة، وهي تطلب حظراً جوياً، لردع الاحتلال التركي». وأعاد المصدر تعثر وصل قوات الجيش ببعضها برياً إلى «استمرار الهجمات التركية في المنطقة».

ابتعد وفدا «الدستورية» الحكومي والمعارض عن الخوض في التفاصيل الخلافية


وفي ما بدا أنه محاولة لتعزيز فرص التوصل إلى اتفاق بين «قسد» والقوات الحكومية حول مصير ريف الحسكة الشمالي الشرقي الحدودي، دعت وزارة الدفاع السورية عناصر «قسد» إلى «الانخراط في وحدات الجيش للتصدي للعدوان التركي الذي يهدد الأراضي السورية»، معربة عن استعدادها لـ«تسوية أوضاع المتخلّفين عن الخدمة الإلزامية والاحتياطية والمطلوبين أمنياً». بدورها، قالت وزارة الداخلية السورية إنها جاهزة «لتقديم كافة الخدمات المتعلقة بشؤون الأحوال المدنية لجميع أهالي منطقة الجزيرة السورية الذين منعتهم ظروفهم الصعبة من الحصول عليها»، داعية «كل من يرغب إلى الالتحاق بوحدات قوى الأمن الداخلي من المجموعات المسماة أسايش»، وهي وحدات أمن داخلي تتبع «الإدارة الذاتية».
التصريحات التي تفتح المجال لتعزيز مواجهة الاحتلال التركي، تتضمن في الوقت نفسه رفض دمشق أيّ «وضع خاص» لـ«قسد» في المستقبل. وقوبل البيانان الرسميان باستنكار من جانب «قسد»، إذ قال قائدها العام مظلوم عبدي، في تغريدة إن «شكل وطريقة مقاربة بيان وزارة الدفاع السورية ودعوتها أعضاء قواتنا إلى الانخراط الفردي في الجيش السوري، غير مرحب به»، معتبراً أنه «كان الأحرى بالوزارة تقديم حلّ على ضوء ما اقترحناه، وهو المحافظة على خصوصية قسد في مناطق تواجدها لتكون جزءاً من المنظومة الدفاعية السورية». وفي هذا السياق، يؤكد مصدر كردي مقرب من «الإدارة الذاتية» أن «نقاشات واسعة تتم مع قوات التحالف الموجودة في الشرق السوري، لمعرفة وجهة نظرها من التطورات الميدانية الأخيرة». ويعتبر المصدر أن «وعد الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، لقائد قسد، بالدعم في مختلف المجالات، سيسهم في حماية المنطقة من أيّ تمدّد تركي إضافي»، لافتاً إلى أن «الكرد يعتقدون أن موسكو تعمل لصالح تركيا والحكومة السورية، بما يتعارض مع وجهة النظر الكردية السياسية والعسكرية».
بالتوازي مع ذلك، جمع افتتاح رمزي وفود «اللجنة الدستورية» السورية (الحكومي والمعارض والمجتمع المدني) ضمن قاعة واحدة في جنيف، تحت رعاية الأمم المتحدة ومباركة جميع الأطراف الدولية المنخرطة في الملف السوري. وجلس رئيسا «اللجنة» المشاركان، أحمد الكزبري عن الجانب الحكومي وهادي البحرة عن الجانب المعارض، على منصّة واحدة أيضاً، يتوسّطهما المبعوث الأممي غير بيدرسن. وركّز الوفدان على التوافقات العريضة، من دون الخوض في التفاصيل الخلافية. وينتظر أن ينطلق العمل الفعلي لمسار «اللجنة الدستورية» بعد تشكيل «هيئة الصياغة»، والتي ستضم 15 عضواً من كلّ وفد، على أن ينتخب كلّ منهم ممثليه.