الحسكة | تنطلق أعمال «اللجنة الدستورية» في جنيف اليوم بترحيب دولي من الأطراف كافة، وسط ترقّب لنهاية المهلة المحدّدة في «اتفاق سوتشي» التركي ــــ الروسي الأخير لانسحاب «الوحدات» الكردية من المنطقة الحدودية. وعلى رغم الإعلان عن اكتمال تلك الخطوة بنجاح، تبدو احتمالات التصعيد حاضرة بقوّة في شرقي الفرات، مع تواصل الاشتباكات بين وحدات الجيش السوري والفصائل التي تديرها أنقرة في محيط رأس العين.

بينما أنهى المبعوث الأممي، غير بيدرسن، التحضيرات لاجتماع «اللجنة الدستورية» الأول، بلقائه وزراء خارجية روسيا وإيران وتركيا، أمس في جنيف، توحي التطورات الميدانية في شمال شرق سوريا باحتمالات العودة إلى التصعيد، توازياً مع انتهاء المهلة المحددة لانسحاب «وحدات الحماية» الكردية من المناطق الحدودية مع تركيا، وفق «اتفاق سوتشي» الأخير بين أنقرة وموسكو. الاشتباكات بين وحدات الجيش السوري وفصائل «الجيش الوطني» المدارة والمدعومة تركياً، في محيط بلدتي رأس العين وتل تمر، كانت الدلالة الأبرز على ما قد تحمله الأيام القليلة المقبلة لتلك المنطقة، مضافة إلى التوتر في محيط مدينة دير الزور، ولا سيما في المناطق التي يسيطر عليها الجيش السوري على الضفة الشرقية لنهر الفرات.
ولم تنعكس التصريحات الروسية بإكمال «الوحدات» الكردية انسحابها وفق الجدول الزمني المفترض، وضمن الشروط المتفق عليها في «سوتشي»، هدوءاً على المنطقة الحدودية. فقد شنت فصائل «الجيش الوطني» مدعومة بتغطية مدفعية وجوية (بالطيران المسيّر) تركية هجمات على مواقع الجيش السوري و«قوات سوريا الديموقراطية» في محيط رأس العين الجنوبي والشرقي، كما على النقاط المحيطة بالطريق الدولي بين حلب والحسكة (M4). وتهدف هذه الهجمات إلى توسيع سيطرة القوات التي تديرها أنقرة على الطريق الدولي، إلى جانب إبعاد الجيش السوري عن مدينة رأس العين، كما السيطرة على بلدة أبو راسين الاستراتيجية، والتي تتيح لاحقاً التحرك نحو مناطق سيطرة «قسد» في محيط الدرباسية، في حال استمرار العمليات العسكرية بعد انتهاء مهلة «سوتشي».
أبرز التطورات التي شهدتها جولة التصعيد أمس، كانت وقوع عدد من عناصر حرس الحدود في الجيش السوري أسرى بيد فصائل «الجيش الوطني»، وفق إعلان رسمي من وزارة الدفاع التركية. وقالت الأخيرة إنه جرى التواصل مع الجانب الروسي للتأكد من هوية العناصر وعدم انتمائهم إلى «الوحدات» الكردية. كذلك، لم تمنع قنوات التواصل الروسية ــــ التركية النشطة، من استهداف المعبر الحدودي في منطقة الدرباسية بقذائف هاون، أثناء وجود دورية عسكرية روسية داخله. وأدى القصف إلى إصابة 6 مدنيين بجروح، وفق ما أكد مصدر طبي في المدينة لـ«الأخبار».

رحّبت واشنطن بانطلاق عمل «اللجنة الدستورية» في جنيف


وفي سياق متصل، أعلن وزير الدفاع الروسي، سيرغي شويغو، أن «عملية سحب الفصائل الكردية من المنطقة التي تخطط تركيا لإقامتها في شمال سوريا اكتملت قبل الموعد المقرّر لها»، مؤكداً أن «الشرطة العسكرية الروسية وحرس الحدود في الجيش السوري دخلت إلى تلك المناطق». وتردّد صدى التصريحات الروسية في أنقرة، حيث أكد الرئيس رجب طيب إردوغان، أن موسكو أبلغت بلاده بذلك، من دون أن يحدد موقف الأخيرة من هذا التطور. وبينما لفت إردوغان إلى أنه سيجري التطرق إلى هذه النقطة بالتفصيل خلال «مباحثات» ستجمع ممثلي بلاده ونظراءهم الروس، كان الجيش التركي قد بدأ بإزالة جزء من الجدار الاسمنتي الفاصل على الحدود في ريفَي المالكية والجوادية. وبدا ذلك بمثابة تلويح بالتحرك عسكرياً في المنطقة التي لم تنتشر فيها وحدات الجيش السوري إلى الآن. ووفق مصادر ميدانية، فإن انتشار الجيش الأميركي قرب حقول النفط في تلك المنطقة (ريف القامشلي الشرقي الممتد حتى عين ديوار) عرقل دخول القوات الحكومية إليها. وأكدت المصادر نفسها أن مصير تلك المنطقة «لا يزال خاضعاً لنقاشات بين الروس والأميركيين»، مضيفة إن «منع الأسايش دورية روسية من الوصول إلى بلدة الجوادية يعكس رفضاً للوجود الروسي والحكومي هناك».
عدم حسم التوازنات في تلك المنطقة قد يتيح المجال أمام تصعيد ميداني تركي. ويبدي مصدر مقرب من «الإدارة الذاتية» تخوفاً من استمرار العملية التركية «بحجة عدم اكتمال سحب الوحدات الكردية»، فيما تؤكد مصادر مطلعة على المباحثات بين الجانب الروسي و«الوحدات» الكردية أن موسكو تضغط «لإخلاء كامل مدن وبلدات الشريط الحدودي من أي وجود عسكري للوحدات، ونزع الأعلام والصور التي ترمز إلى حزب العمال الكردستاني منها». وتشير المصادر إلى أن «الأسايش هي من ضمن القوات التي يجب عليها ترك المنطقة الحدودية حتى عمق 30 كيلومتراً». وأتى ما سبق فيما تواصل واشنطن الدفع بتعزيزات عسكرية إلى ريفي الحسكة الجنوبي ودير الزور الشرقي، حيث توجد أهم حقول النفط والغاز، ضمن خطة لإعادة انتشار جديد فيها. وترافقت التعزيزات العسكرية مع تحليق طيران مروحي فوق الحقول النفطية، والبدء ببناء نقاط عسكرية واسعة في محطة قطار هجين بريف دير الزور الشرقي. وبينما خرجت تصريحات من واشنطن تؤكد أن القوات الأميركية ستعمل على «صدّ محاولات انتزاع داعش أو الحكومة السورية أو روسيا، السيطرة على حقول النفط في المنطقة»، قالت مصادر محلية لـ«الأخبار» إن «خلايا داعش اغتالت خلال اليومين الفائتين ثمانية عناصر من قسد في المنطقة». وأكدت المصادر أن تلك الخلايا «رفعت صورة لأبي بكر البغدادي بارتفاع تجاوز المترين في مدرسة الحوايج، دوّنت أسفلها: ثأرك لن يموت»، وذلك على رغم عدم صدور أي تصريحات من التنظيم تؤكد صحة مقتل البغدادي.
أما في جنيف، فقد لاقى الجانب الأميركي التصريحات الروسية والإيرانية والتركية التي شددت على أهمية انطلاق عمل «اللجنة الدستورية»، بالتأكيد على دعم واشنطن لهذه الخطوة، وشكر الجانب الأممي على الجهود المبذولة للوصول إليها. وعلى خلاف التقاطع حول «الدستورية»، استغل الجانبان الروسي والإيراني منبر جنيف للتشديد على ضرورة مغادرة القوات الأميركية سوريا، وأشارا، بالشراكة مع نظيرهما التركي، إلى أهمية حماية وحدة واستقلال سوريا وأراضيها.