تنامت «فلتة» زراعة الفواكه الاستوائية في سوريا، حتى صارت تُعدّ اليوم استثماراً ناجحاً ومختلفاً عن الاستثمارات المستَهلَكة بكثرة. الأفوكادو والمانجا وغيرها من الفواكه الاستوائية أصبحت تنافس البرتقال والفواكه الموسمية الأصلية في هذا البلد. نادر صالح، واحد من الذين اتجهوا منذ سنوات نحو ذلك الاستثمار «الغريب»، وها هم اليوم يملكون مزارع كبيرة، لا يكاد يكفي إنتاجها لتغطية كامل طلب السوق!

نجا نادر صالح من عبودية مقولة «ساقية جارية ولا نهر مقطوع» التي يؤمن بها غالبية السوريين، والتي لأجلها لا يزالون يتسابقون للحصول على وظيفة دولة بمكتب وكرسيّ وراتب شهري مقطوع قيمته 32 ألف ليرة. لم يسمح نادر لـ«روتين» الوظيفة بأن يسرق سوى نصف يومه. أما النصف الآخر، فقد خصّصه منذ سبع سنوات لاقتلاع أشجار البرتقال واستبدالها بالفواكه «الغريبة»، آملاً أن يستبدل معها «الساقية الجارية» ببحر من الخير والكفاف، وهذا ما حدث بالفعل. يقول صالح: «كنت أبحث عن بديل لأشجار البرتقال في أحد مشاتل طرطوس، وصدفةً وجدت غرسة، ومن دون أن أعلم عنها شيئاً، أحضرتها وقمت بزراعتها، وبعد أربعة أشهر من زراعتها، التقطت صورة للغرسة وأجريت لها مطابقة على موقع غوغل، فتبيّن أنها شجرة السدر».
بغرسة واحدة من شجرة السدر بدأ نادر مشروعه الصغير، واستكمله بزراعة أنواع مختلفة من أشجار الفاكهة الاستوائية، بعد أن زار مشاتل كثيرة وتعرّف على أصناف عديدة مختلفة وغريبة منها، وبدأ بدراستها دراسة مُعمّقة عبر الدخول إلى بلدان منشأ هذه الأشجار، والاطلاع على الموسوعات العلمية التي تخصّها، فكان له ما أراد. لم يتلقّ صالح الدعم المادي من أحد، وهو لم يطلب ذلك. اعتمد على نفسه بالمطلق، ليبدأ في صيف 2012 بزراعة بعض هذه الأصناف، واليوم أصبح عُمر مشروعه سبعة أعوام، وقد تحوّل إلى مزرعة كبيرة تضمّ مختلف أنواع الفواكه من الأفوكادو والمانجا والقشطة والكاكا والدراغون والباولونيا والجامبولة والشوكولاتة وسابوتا وشيكووامبي وفيجويا وغرافيولا، وأصناف أخرى كثيرة.
حقق نادر صالح، وهو على أبواب الخمسين من عمره، ما وصفه بـ«المخاطرة». لم يكن الأمر سهلاً على الإطلاق، لأن ما فعله كان قراراً بـ«الطلاق»، والطلاق بلغة الزراعة يعني اقتلاع أشجار البرتقال والليمون من تربتها. إذاً، كيف تجرّأْت على هذا القرار؟ يجيب: «هُزِم تواضع اليوسفي أمام أرستقراطية الأفوكادو والدراغون، ولم تعد حموضة الليمون قادرة على مجاراة حلاوة الشوكولاتة والقشطة. ترجّل البرتقال والليمون لحساب الفواكه القادمة من خط الاستواء، تلك الفواكه التي تحتاج إلى مناخ خاص من درجات حرارة مرتفعة وأمطار غزيرة ودرجة رطوبة، حتى تستطيع الشجرة أن تنمو وتطرح ثمارها». ومع ذلك، يؤكد صالح أن «لا مكان في أراضي سوريا إلا ويصلح لزراعة بعض هذه الأصناف». في مرزعة نادر، يتولّى عدد من العمال الاعتناء بالفواكه، فيما يتولّى هو بنفسه عملية توضيب الثمار. وبالنسبة إلى الأسعار، يشير إلى أن «أسعار الفواكه الاستوائية مقبولة بحسب جودة المنتج، والمنتجات غالية لأنني لا أستخدم الأسمدة، أبيع الحبة الواحدة من الدراغون بـ3000 ليرة، والإقبال كبير جداً يفوق التوقعات، وبسبب هذا الإقبال لا أستطيع أن أغطّي الطلب أحياناً». ويضيف صالح أن تسويق المنتج «يتم بمعظمه داخل البلد، وأكثره من المزرعة مباشرة، لكن الأهم بالنسبة إلي هو أنني بدأت هذا العام بتصدير أول مادة من منتجات مزرعتي وهي الدراغون، أما العام القادم فسيكون لديّ تصدير بكميات كبيرة».
لم تعد مزرعة نادر وحيدة في منطقة غرب بلاطة في طرطوس، حيث تحوّل صالح إلى مُلهِم لمزارعين آخرين كثر بدأوا بعد زيارته والاطلاع على تجربته ببناء تجاربهم الخاصة في مجال الفواكه الاستوائية، في حالة ربما تعود بالذاكرة إلى تجربة محمد خليل المدرس (1901 - 1958)، رائد الصناعة النسيجة في سوريا في الثلاثينيات، عندما قرّر أن يخوض غمار العمل التجاري، فافتتح محلاً وتعرّف إلى التجار ودرس حالة السوق والغزول والمنسوجات وخرج بفكرة إنشاء معمل للنسيج، فتأسّست «الشركة السورية للغزل والنسيج» في حلب عام 1933، وكانت أول شركة صناعية في قطاع النسيج تُقام في عاصمة الشمال السوري. اليوم، يشرف نادر (وهو موظف في مجلس مدينة طرطوس) على معظم المزارع المحيطة به وتلك البعيدة، وإنتاجها يُباع بالكامل عن طريقه، وهو يشجّع كما يقول جميع المواطنين السوريين على القيام بهذه الخطوة، معلناً استعداده لتقديم المساعدة لكلّ من يحتاج إليها، بدءاً من وزارة الزراعة، مروراً بالمزارعين الجدد، وصولاً إلى آلاف الزوار الذين يتردّدون على مزرعته لشراء الفواكه أو الشجر، أو للاستمتاع بالمنظر.