فيما تواصلت انتكاسات المسلحين، ومن خلفهم أنقرة، في منطقة إدلب، أعلنت موسكو وقف إطلاق نار من جانب واحد، يبدأ اليوم. وعلى وقع التقدم الميداني المطّرد الذي حققه الجيش السوري وحلفاؤه في الأسابيع الأخيرة، واشتعال موجة غضب في ريف إدلب الشمالي عند المعابر الحدودية مع أنقرة أدّت إلى حصول اشتباكات محدودة بين «متظاهرين» والحرس الحدود التركي، يبدو أن الملف السوري السياسي سيكون على موعد مع شهر «واعد» بمفاتيح لتطورات «إيجابية».

بدا أمس أن شهر آب/ أغسطس «أنجز ما عليه»، في انتظار ما سيكشف عنه شهر أيلول/ سبتمبر المقبل، الذي يُنتظر أن يكون فيه الملف السوري «وجبة رئيسية» على طاولات عدّة. في المعطى العام، يمكن القول إنّ آب 2019 كان الأسوأ بالنسبة الى أنقرة، منذ انطلاق عمليّات «درع الفرات»، أيضاً في الشهر نفسه من عام 2015. وبرغم نجاح الجانب الأميركي في إيجاد وصفة توفيقيّة لملف «المنطقة الآمنة»، فإنّ ثمار الوصفة تبدو (حتى الآن) أقلّ مما كانت أنقرة تُعدُّ نفسها لقطافه، ولا سيّما إذا ما جُمع مشهد شرقي الفرات مع مشهد إدلب، ضمن إطار صورة واحدة.
وعلى وقع التقدم الكبير الذي حقّقه الجيش السوري وحلفاؤه في ريفَي حماة وإدلب في الأسبوعين الأخيرين، مُنيت أنقرة بضربات معنوية ذات دلالات سياسية متتالية، بدءاً بقطع الطريق على الرتل التركي على مشارف خان شيخون، مروراً بعزل نقطة المراقبة التركية التاسعة عن محيطها بالكامل، وصولاً إلى مشهد إحراق صورة للرئيس التركي رجب طيب إردوغان، أمس، على يد متظاهرين غاضبين في ريف إدلب. وتوافد آلاف المتظاهرين نحو المعابر الحدوديّة، في خطوة تهدف إلى الضغط على أنقرة، ومطالبتها بـ«القيام بشيء ما»، لإيقاف تقدم الجيش، كما بـ«فتح الحدود» أمام المدنيين. ولا تخرج التظاهرات المذكورة عن إطار التبدّل المتسارع في «المزاج الشعبي» تجاه أنقرة، ولا سيّما مع تزايد التسليم الشعبي بصحّة النظرية القائلة إنّ «إردوغان باع إدلب في مقابل المنطقة الآمنة»، على ما تؤكده مصادر معارضة عدّة تحدثت إليها «الأخبار». وتناقلت صفحات الناشطين على مواقع التواصل الاجتماعي أخباراً عن تصدي حرس الحدود التركي للمتظاهرين بالرصاص الحي، الأمر الذي قامت به أيضاً مجموعات تابعة لـ«هيئة تحرير الشّام» في عدد من نقاط التظاهر. وراجت في كواليس إدلب تحليلات مفادُها أنّ سلوكيات «الهيئة» (إطلاق النار على المتظاهرين) جاءت في سياق التماهي الكبير في المصالح بينها وبين أنقرة، برغم التباين المُعلن بينهما في شأن تفاصيل كثيرة مرتبطة بـ«المنطقة المنزوعة السلاح» وتوافقات «أستانا» و«سوتشي».

مصدر «جهادي»: الهيئة تستعدّ لتنفيذ ما عليها بموجب «آستانا» و«سوتشي»


مصدر «جهادي» بارز تحدثت إليه «الأخبار»، جدد التأكيد على أنّ «الهيئة دخلت فعلاً مرحلة الاستعداد لتنفيذ ما يترتّب عليها بموجب توافقات آستانا وسوتشي». كما أشار إلى «انسحاب تدريجي مُنتظر للهيئة من كل النقاط الواقعة على الطريق الدولي (حماة ــــــ حلب)»، ضمن تفاهمات غير معلنة بين أنقرة والهيئة. مضيفاً إنهما «في مركب واحد، وطبيعي أن يكون موقفهما من التظاهرات متشابهاً». اللافت، أنّ موسكو سارعت في «مدّ يد العون» لأنقرة وتخفيف الضغط الشعبي عنها، عبر الكشف عن أن «الجيش السوري سيُنفّذ وقفاً لإطلاق النار بدءاً من الساعة السادسة من صباح غد السبت (اليوم) في منطقة خفض التصعيد». وكان الجيش قد استبق ذلك بتحقيق مزيد من التقدم في ريفي إدلب الجنوبي، والجنوبي الشرقي، ليسيطر على كل من التمانعة، والخوين الكبير، والسكيات، وعدد من التلال الحاكمة. وبرغم وقف إطلاق النار الموعود، فإنّ «باب مواصلة العمليات العسكرية يظلّ مفتوحاً، فيما إذا حاولت المجموعات الإرهابيّة شنّ هجمات معاكسة»، على ما أكّده مصدر عسكري رفيع لـ«الأخبار».
ولا تزال مدينة معرّة النعمان تتصدر قائمة الأهداف المستقبليّة المحتملة للجيش، تمهيداً لإعادة إحياء الطريق الدولي. وتشير معلومات متداولة على نطاق ضيّق في أوساط «الائتلاف» المعارض، إلى أنّ «محادثات الرئيسين الروسي والتركي، أثمرت قبولاً روسياً بتخفيف الضغط العسكري مؤقتاً». ووفقاً للمعلومات، يأتي ذلك بهدف إفساح الفرصة أمام أنقرة لـ«القيام ببعض الإجراءات قبيل انعقاد القمة الرئاسية الثلاثية لضامني آستانا». وبرغم أن الوقت المتاح قد لا يسمح بفعل شيء، فإنّ معلومات «الأخبار» تشير إلى أنّ «الكرة عادت مجدداً إلى ملعب هيئة تحرير الشام». وتؤكد المعلومات أنّ «جهوداً مكثّفة انطلقت بالفعل، بغية إقناع قيادة الهيئة بمشروع قديم متجدّد، يقوم على تشكيل كيان اندماجي يمهّد لنقلة نوعية في البنية التنظيمية للهيئة». ويضطلع «فيلق الشام» بدور محوري في الجهود المذكورة، من دون وجود مؤشرات واضحة حول فرص نجاح تلك الجهود، ولا سيّما في إطار المهلة الزمنية الضيقة. ولا يبدو سهلاً إقدام «تحرير الشام» على خطوة كبيرة معلنة، لكن الفرصة تظل قائمة لإيجاد صيغة تدريجية تتيح لـ«الهيئة» الاحتفاظ بنفوذها «غرب الطريق الدولي M5». وكانت آخر نسخ المباحثات في هذا الإطار (قبل التصعيد العسكري الأخير) قد تضمّنت إصرار «الهيئة» على الاحتفاظ بامتيازات تخوّلها الإبقاء على بعض نقاط انتشارها القريبة من الطريق الدولي «M5»، بالإضافة إلى تمسكها بنفوذها القوي على جانبي الطريق الدولي «M4» (حلب ــــــ اللاذقية)، مع استعدادها لتسهيل فتحه، شريطة إشرافها عليه في مناطق نفوذها.
ويُعد فتح الطريق الدولي «حلب ـــــ اللاذقية»، أشدّ تعقيداً من نظيره «حلب ــــــ دمشق»، ما قد يدفع «الدول الضامنة» إلى فصل الملفّين مؤقّتاً، لكي لا تتعقّد الأمور أكثر. وينبغي ترقّب ما ستتمخض عنه القمة الثلاثية لضامني آستانا التي قد تعقد في الأسبوع الثاني من الشهر المقبل في تركيا، ما لم يطرأ تعديل على موعدها. كذلك، يُنتظر أن تشكل «الدورة 74 للجمعية العامة للأمم المتحدة» التي ستنعقد في النصف الثاني من الشهر المقبل أيضاً، مناخاً مناسباً لمناقشة الملف السوري ضمن لقاءات رئاسية تُعقد على هامشها. وأمس، قال الرئيس التركي رجب طيب إردوغان إنه سيلتقي نظيره الأميركي دونالد ترامب خلال انعقاد الدورة. فيما كان المبعوث الخاص للأمم المتحدة، غير بيدرسن، قد أبدى تفاؤلاً بإعلان تشكيل «اللجنة الدستورية» قبل موعد انعقاد «الجمعية العمومية». ورأى المبعوث الأممي، في إحاطة قدّمها أمام «مجلس الأمن» أول من أمس، أنّ «حلحلة عقد الأسماء والاختصاصات، والقواعد الإجرائيّة تم الانتهاء منها تقريباً».