«تشعر الولايات المتحدة بالقلق إزاء الدلائل المتزايدة على أن النظام (السوري) يخطط للسيطرة الكاملة على المنطقة (درعا والقنيطرة) وزيادة إحباط المجتمعات المحلية، مع توسيع قوات مخابراته سيطرتها وإنشاء نقاط تفتيش... إنّ التقارير المتعلقة بالاغتيالات والخطف وسوء توفير الخدمات الأساسية والتجنيد القسري، كلها أمور تثير الشكوك حول دور روسيا كوسيط موثوق به بين الشعب السوري وقوات النظام، من أجل تحسين الظروف الأمنية والمعيشية في الجنوب». هذا ما ورد على لسان المندوب الأميركي (بالوكالة) لدى الأمم المتحدة، جوناثان كوهين، في إحاطة أمام مجلس الأمن قبل ثلاثة أسابيع. التصريح السابق يوحي بأن واشنطن، في سياق تجاذباتها (وإسرائيل) مع الجانب الروسي في الملف السوري، لن توفّر استغلال مجريات المنطقة الجنوبية على طاولة التفاوض. ولا شك في أن واقع الحال في درعا وريفها، كما في بعض مناطق السويداء، يترك الباب مفتوحاً للجدل حول «اتفاق التسوية» ومآلاته المتوقعة. فبعد عام على انتهاء الأعمال العسكرية هناك، ودخول المنطقة تحت مظلة «خفض تصعيد» مرعيّة روسياً وأميركياً، لا تزال الخروقات الأمنية حاضرة بشكل شبه يومي، وإن تفاوتت شدتها.

أمس، كانت درعا على موعد مع تصعيد غير اعتيادي، تمثّل باستهداف حافلة تقلّ عناصر في الجيش السوري على طريق اليادودة غرب المدينة، بعبوة ناسفة. التفجير المنفّذ بدقة كبيرة أدى إلى استشهاد 5 من عناصر الجيش وإصابة عدد آخر بجروح، وهي الخسارة الأكبر للجيش في هجوم واحد منذ توقيع اتفاقات «التسوية» قبل نحو عام. وعقب التفجير، استهدف مسلحون سيارة لعقيد في الجيش، قرب قرية الشيخ سعد في ريف درعا الغربي، ما أدى إلى باستشهاده. وأتت العمليتان بعد أيام فقط على انفجار عبوة ناسفة بسيارة دورية تابعة للشرطة العسكرية الروسية، في الريف الشرقي، بين بصر الحرير والسهوة، وذلك عقب ساعات على اغتيال عميد في الجيش على الطريق نفسها.

اللافت في أحداث أمس استهداف عناصر الشرطة العسكرية الروسية للمرة الأولى


اللافت في أحداث الأسبوع الماضي، كان استهداف عناصر الشرطة العسكرية الروسية للمرة الأولى من جهة، وسرعة تواتر العمليات الأمنية من جهة أخرى. غير أنها في الوقت نفسه لا تخرج (ولا تقل حساسية) عن سياق مستمر منذ أشهر طويلة، شهد وقوع اشتباكات عنيفة في الصنمين مثلاً. ويتزايد التخوف من تنامي الخروقات الأمنية مع الدخول الأميركي على خط الجنوب من بوابة التزام اتفاق «التسوية»، ليطرح أسئلة عن احتمالات التعويل على تجدد النشاط المسلح بشكل واسع وصريح في الجنوب السوري. أول المشككين في هذا الطرح، الأوساط المعارضة المطلعة على الواقع هناك، إذ تشير إلى أن هيكلية الفصائل التي كانت قبل التسوية لم تعد موجودة الآن، كذلك فإن إدارة قادة تلك المجموعات لمرحلة ما بعد التسوية حولتها إلى خلايا تنشط مستفيدة من عدم الاستقرار الأمني للحفاظ على مكاسب مرحلية. ويذهب بعض هذه الأوساط إلى اتهام خلايا من بقايا «داعش» بتنفيذ تلك العمليات. ما تتفق عليه مصادر مختلفة تتابع مجريات الجنوب، أن آلية الانتقال الصعبة، من «الإدارة المحلية» للفصائل المسلحة إلى مرحلة الإدارات الحكومية المركزية، يحدّها اتفاق «التسوية» في إطار ضيق، وهو ما يؤدي دوراً رئيساً في انفلات الوضع الأمني. أيضاً، يترك الواقع الاقتصادي لتلك المنطقة، وانتهاء مهل التسوية الخاصة بالخدمة الإلزامية لِمَن وقّعوا اتفاق «المصالحة» واختاروا تسوية أوضاعهم، المنطقة على صفيح ساخن.
بعض التحليلات تذهب إلى وجود قرار أميركي بإحياء إرث «غرفة الموك»، في محاولة لتعظيم الضغط على دمشق وحلفائها، وتستند في ذلك إلى ما نشر عن تفعيل برنامج التدريب للفصائل المسلحة العاملة في منطقة التنف، بعد فتح الباب أمام الراغبين في الانضمام إليها من مناطق النفوذ الأميركي في سوريا. غير أن المعلومات المتوافرة عن برنامج التدريب تضعه في خانة التحضير لـ«قوات عربية» ستكون حاضرة لاحقاً، مع «قوات سوريا الديموقراطية»، ضمن ما أطلق عليه سابقاً في وثائق وزارة الدفاع الأميركية: «قوات حرس حدود». ويتكامل هذا الخط مع التصور الأميركي لقوة «متعددة الجنسيات» في شرقيّ الفرات، يمكنها مع قوات محلية حماية المصالح الأميركية والضغط على دمشق، كما تحجيم النفوذ الإيراني على الحدود بين سوريا والعراق.