أبهر شارع الدبلان، أهم أسواق حمص الحالية، متابعي ملف المدينة، بعودة الازدحام إليه خلال الأمسيات الرمضانية التي سبقت عيد الفطر الماضي. عودة الحياة إلى السوق، الذي شكّل نقطة تماس سابقة خلال معارك المدينة، فتحت شهية المصوّرين لالتقاط مشهد الفرح هذا بعدساتهم. لم تمنع طيبة الحمصيّين وخفة ظلّهم المعهودة اضطرارهم إلى الخوض في عنف الحرب حتى آخره، بعضهم لأسباب تتعلق بالدفاع عن النفس، وآخرون لأسباب تشي بقسوة وطائفية ومصالح شخصية. ساحة الساعة التي جرى الاعتصام فيها قبل أعوام، تحت تغطية وسائل إعلام عالمية، هي اليوم مركز عبور مناضلين من نوع آخر، مناضلين في سبيل الرزق ولقمة العيش ومتابعة الحياة. الحلم هُنا بات أياماً أكثر هدوءاً وسلاماً للجميع، إضافة إلى الحصول على مقعد يومي في وسيلة نقل عادت إلى العمل في نقل الركاب إلى أشغالهم بين الأحياء. حَفِظ أهل المدينة درس الحرب جيداً. لا سبيل إلى الكثير من التذمر، ما دامت الدولة واقفة في دمشق، تحكم بين معارضيها العائد بعضهم إلى «حضنها»، ومواليها الساخط بعضهم على «عدالتها» المزعومة، وتقدّم بالحد الأدنى خدمات ضرورية لاستمرار الحياة.


حيّ الزهراء... كوابيس الماضي والحاضر!
لم يُشفَ أبناء حيّ الزهراء بعد من ثقافة العيش بين الجدران العالية، التي سادت حياتهم خلال عزلة الحرب. الركض وفق مسارات ملتوية تعلّمها الكبار والصغار أثناء عبورهم بمحاذاة الجدران والستائر المُعَدّة على عجل، لحجب القناص المترصد برصاصه المتوحش، كوابيس لم يستفق منها المدنيون حتى الآن. أرواح زهقت فداءً لإدخال رغيف الخبز إلى الحيّ، ما أجبر المنطقة على أن تكون «مَعزِلاً» يختصّ بطائفة دون أُخرى، وأفضى ذلك إلى تناسي الناس الشارع الرئيس المطلّ على ساحة الزهراء طوال سنتين كاملتين، واستبدال الشوارع الفرعية الحذرة به. الحيّ الواقع على الأطراف الشرقية لحمص القديمة دفع ثمن موقعه هذا، وسط أحياء البياضة وباب الدريب وعشيرة والورشة والخالدية، حتى بقي طريق زيدل إلى الجنوب الشرقي منه هو المنفذ الوحيد الآمن، في بعض مراحل الحرب. توقفت الحياة التجارية في «الزهراء» كليّاً لمصلحة شارع الحضارة الآمن، القريب من جامعة البعث، فعُدَّ هذا الأخير، خلال الحرب، مركز سوق بديل يغصّ بالمحال التجارية المفتوحة لتلبية حاجات الحمصيين. وإذ ناهزت تفجيرات الأحياء الموالية الخمسين تفجيراً، كان لحيّ الزهراء حصة الأسد منها. ماذا سيحكي الناس هُنا بعدما تغيرت حياة أسر كاملة بكبسة زر إرهابي؟! معظمهم يتهربون من حديث الذكريات، كما لو أنهم يطردون مع السؤال كوابيس الماضي، خشية استعادتها في حال الحديث عنها. استنفار على مدار الساعة لدى العاملين في القطاع الصحي والدفاع المدني من أبناء الحيّ، لأن شبح الموت لم يغب عن منطقتهم، مُخلِّفاً وراءه آلاف الشهداء والضحايا، بما يزيد على أي منطقة سورية أُخرى. مَن يقلْ إنّ نيران الأحزان بردت، فهو واهم، بلا شكّ، وسط هذا العدد الهائل من الشهداء. غير أن اعتبار المنطقة رمزاً طائفياً لم يعد ينفع في أيام السلم. والأشخاص غير المنضبطين الذين جرى تجاهل ممارساتهم سابقاً لأسباب تتعلق بفوضى الحرب، بات الناس ينبذونهم ويتعاملون معهم بالعزلة اللازمة، بينما النازحون إلى الحيّ من الأحياء المشتعلة المجاورة يعايشون يوميات أهالي «الزهراء» ويتقاسمونها معهم، بما يطوي أيام الاستقطاب الطائفي.

عملية إعادة الإعمار ما زالت جزئية في المدينة، ضمن كتل أبنية محددة


إعادة الإعمار... جزئية!
على مكتب محافظ حمص قرارات يومية تحت بند «رفع غصب بيّن». وهي تتعلق بمطالب أصحاب أملاك عادوا إلى بيوتهم، ووجدوا آخرين يقيمون فيها «بالغصب». يوقع المحافظ طلال البرازي، وسطياً، 5 قرارات يومياً، تُعنى بإعادة الحقوق إلى أصحابها، فيما لو توافرت شروط الغصب. فإن لم تتوافر، واعتُمدت إقامة الساكنين على استئجار المكان، وحصل النزاع مع أصحابه الأصليين، تحال القضية على القضاء، بحسب البرازي. يمكن إضافة هذا البند إلى الصعوبات اليومية التي تحول بين عودة الجميع إلى بيوتهم، فيما العديد من الدراسات في محافظة حمص تنتظر قانون التطوير العقاري.
عملية إعادة الإعمار ما زالت جزئية في المدينة، ضمن كتل أبنية محددة، تتناغم مع إرادة أصحابها وسعيهم إلى العودة، وسط جهود لتحسين حافز البناء من خلال الاستثمار. أما مرسوم إحداث المنطقة التنظيمية في بابا عمرو، فيبقى مُنتظَراً، فيما يظلّ ملف المفقودين جرح المدينة النازف لدى فئة كبيرة من الأهالي، مع سخط متواصل على المصالحات التي جرت من غير طيّ هذا الملف وإلزام المسلحين بالكشف عن مصير «الغائبين»، قبيل الخروج شمالاً خلال التسويات المتعاقبة. كذلك إن الاهتمام بمستوى الخدمات مطلب عام لدى الجميع، مع تفهّم البعض مسؤوليات الدولة عن إعادة خدماتها الأولية إلى الأحياء المنكوبة، تشجيعاً لعودة أهلها النازحين. ويجمع الأمل معظم أبناء المدينة أثناء حديثهم عن انخفاض مؤقت في الإيجارات يشهده سوق العقارات، مع كل عودة جماعية لبعض العائلات إلى حيّ من الأحياء المهجورة، التي كان آخرها حيّ جورة الشياح.