دأبت مجموعة مسلحة تطلق على نفسها اسم «سرية أبو عمارة» على إعلان مسؤوليتها، بين فترة وأخرى، عن عمليات اغتيال وتصفياتٍ في مدينة حلب، تستهدف «شبيحة» أو «ضباطاً وعسكريين ورموزاً للنظام». وكانت «السرية» منضويةً تحت لواء «تجمع فاستقم كما أُمرت»، قبل أن تعلن انسحابها منه لدى انضمامه إلى «جيش المجاهدين» الذي أُعلن تشكيله أخيراً. فما هي حكاية «سرية الاغتيالات» تلك؟


قبل وصول نيران الأزمة إلى محافظة حلب، تعاقد «أبو عمر الحلبوني»، وهو رجل أعمال حلبي متحدر من عائلةٍ «إخوانيّة»، مع مهنّا جفّالة، وهو شاب يعمل في مجال الدهانات وأعمال الديكور و«الجبس»، لإنجاز أعمال الدهان في منشأة اقتصادية كان يبنيها. لكن مع بدايات التظاهرات في جامعة حلب، تحوّل جفالة المعروف بـ«أبو بكري»، فجأة، إلى واحدٍ من طلاب التعليم المفتوح في جامعة حلب، وبدأ بالبروز بوصفه عنصراً فاعلاً في تلك التظاهرات. كذلك كان لجفالة دورٌ في الحشد لتظاهراتٍ خرجت في حيّ صلاح الدين، حيث كان يسكن. اجتذب «أبو بكري» عدداً من زملائه في مهنة الدهانات إلى التظاهرات الطلابيّة، «على اعتبار أنهم أكثر قدرة من الطلاب على مواجهة الأمن»، وفقاً لما يقوله مصدرٌ كان قريباً منه في تلك الفترة لـ«الأخبار». وكانت لجفالة مشاركات دائمة في التظاهرات التي بدأت تخرج أيام الجُمع في عددٍ من الأحياء، مثل الإذاعة والزبدية وبستان القصر، الحيّ الذي قام عناصر شرطته بتوقيف جفالة إثر واحدة من المظاهرات. أثناء توقيفه الذي استمرّ ثلاثة أيام، تعرّف جفالة إلى شاب اسمه ياسر العبد (من مواليد حلب 1984). كان العبد من سكان حيّ المعصرانية، ويعمل في مجال فَرش السيارات في حيّ طريق الباب. ورغم أن الحيين بعيدان عن بستان القصر، إلا أنه كان يقصد الحيّ أيام الجمع للمشاركة في التظاهرات، حيث أُوقف. في النظارة، نشأت بين الشابين علاقةٌ قررا تطويرها بعد إطلاق سراحهما، وتوّجت باتفاقهما «على الانتقال إلى العمل المسلّح».
اتفق «الشريكان» على تأسيس مجموعةٍ أطلقا عليها اسم «سرية أبو عمارة للمهام الخاصّة»، نسبةً إلى حمزة بن عبد المطلب الذي كان يُكنّى بـ«أبو عمارة»، واتفقا على حصر عملها في تنفيذ الاغتيالات، لأنها أقلُّ خطراً، إذ لا تتطلب مواجهاتٍ مباشرة، بل تعتمد تكتيك «اضربْ واهرب». وخلال وقت قصير، استقطبا قرابة 100 شاب، وقاما بتوفير بعض الأسلحة الفردية بوسائل مختلفة. انتقل معظم عناصر «السرية» الوليدة إلى الإقامة في الأحياء الشعبية التي شكّلت ميادين ظهور المسلحين. وفي الوقت نفسه، أوجد متزعّما المجموعةِ «مقرّاً» في مدينة عندان في الريف الشمالي، وفيها تواصلا مع أحمد عفش بغية الحصول على تمويلٍ وأسلحة، فلبّى بعض مطالبهما. وكانت مجموعتهما قد بدأت بتنفيذ اغتيالاتٍ، كان من أوائل ضحاياها بطل سوريا في الملاكمة غياث طيفور الذي أطلق مسلحو «أبو عمارة» النار عليه، فيما كان يقودُ سيارته في آذار 2012 بذريعة أنه «شبّيح». في تلك الفترة، وقع ياسر العبد في قبضة الأمن السوري، ليتابع جفالة العمل وحيداً. حاول أفراد المجموعة الانتساب إلى «جبهة النصرة»، وتدربوا في معسكراتها في بداية تشكيلها. لكنهم، بعد انتهاء التدريب، لم يجتازوا التقويم الذي كانت تجريه الجبهة لمنتسبيها، فرُفضوا. جهد جفالة للحصول على تمويل مالي كبير، لكنه أخفق مرّاتٍ عدّة. وبتضافر مجموعةٍ من الأسباب، من بينها أنه كان دائم التفاخر بأنه «من أبناء المدينة»، و«من حقه»، بسبب ذلك، أن يتحوّل إلى «قائد ثوري بارز». ونتيجةً لذلك لم تدعمه أيٌّ من المجموعات المسلّحة الكبيرة التي كان قوامُها ريفيّاً. كذلك حالَ انخفاض عدد أفراد مجموعته بينه وبين استقطاب تمويلٍ خارجي. إذ كان هذا التمويل يبحثُ عن مجموعات تستقطب أعداداً كبيرة من العناصر. وأخيراً، وجدَ «أبو بكري» ضالّته في الريف. استعان جفالة براعيه الأول «أبو عمر الحلبوني» الذي أطلق في وقت سابق قناة فضائيةً اسمها «حلب اليوم»، حظيت بمتابعة متزايدة في الشارع الحلبي لأنّها اهتمّت بأدقِّ تطوراته. وبدأ «الحلبوني» يقدم المال لجفالة، ويعمل على تلميعه، مبرزاً أخبار مجموعته على قناته. كان الأخير قد أدرك أن الإعلام يُشكل فرصةً مُجدية لاستجلاب تمويل خارجي ضخم، فبدأ يُصدّر أخباراً استعراضية مكثفة عن «بطولاته»، وعن «إنجازات سرية أبو عمارة» مثل: «أبو بكري يطلق صاروخاً»، و«قائد كتائب أبو عمارة يهاجم حاجزاً»... إلخ. كثف نشاطاته الإعلامية بحيث لا يبقى أسيراً لقناة مموّله. فبدأ بلفت اهتمام «ناشطي المعارضة الخارجية» عبر وسائل التواصل الاجتماعي. وراح هؤلاء يهللون لـ«بطولات أبو عمارة» نقلاً عن متزعمها. مع تزايد التهليل، راح بعض «ناشطي معارضة الداخل» يُكذبون تلك الأخبار، مؤكدين عدم حصولها على الأرض. فأصدر «أبو بكري» بياناً يؤكد فيه أن «تلك الاتهامات تهدف إلى النيل من نضاله». وحرص في الوقت نفسه على تنفيذ مجموعته بعض أعمال الاغتيالات، متخيراً ضحاياه من «الأهداف السهلة»، مثل اغتيال القاضي عصام حسين قرب منزله في حيّ «جمعية الزهراء»، والادعاء أنه «قاضٍ عسكري في المحكمة العسكرية»، وترويج أن العملية أدت إلى «مقتله، وجرح أربعة من مرافقيه». أمّا حقيقة الأمر، فإن حسين كان قاضياً في المحاكم المدنية المختصة بالقضايا العقاريّة، ولا مرافقةَ له. وفي مطلع الشهر الجاري، أعلنت وسائل إعلام معارضة أن «سرية أبو عمارة قد حررت مؤسسها وقائدها السابق ياسر فوزي العبد الملقب بأبو جعفر». ووفقاً للمصادر، فقد تم «تحرير العبد بصفقة مبادلة مع أسرى من قوات النظام». واللافت في الأمر أن التلفزيون الرسمي كان قد بثّ في حزيران 2012 اعترافات العبد بـ«مسؤوليته عن عدد من الاغتيالات، وعمليات التخريب»، لكنّ ذلك لم يحُل دون إطلاق سراحه!




العبوةُ التي «هزّت عرش النظام»

دأبت «سرية أبو عمارة للمهام الخاصة» على إصدار بياناتٍ تُعلن فيها تنفيذ «عمليات بطولية ضخمة»، فيما هي على أرض الواقع أعمال تخريبٍ لا طائلَ من ورائها. ويقول واحدٌ من تلك البيانات إنه «استكمالاً لعمليات سرية أبو عمارة للمهام الخاصة التي هزت عرش النظام في المناطق التابعة لسيطرته، قام أبطال السرية بنسف حاجز دوار الطب العربي في حيّ الخالدية، إثر استهدافهم بعبوة ناسفة تم زرعها قرب الحاجز. ما أدى إلى مقتل أربعة عناصر على الأقل وإصابة الباقي إصابات بالغة. ونتوعد بمزيد من الضربات الموجعة لعصابات الأسد». حظيَ البيانُ وقت إصداره برواجٍ كبير، واهتمّت بعض وسائل الإعلام بـ«العمليّة النوعية». ويقول ناشطٌ مدنيٌّ لـ«الأخبار» تعليقاً على ذلك: «هذا مثير للسخرية وللقرف. في ذلك اليوم، قررتُ التأكد بنفسي من صحّة الخبر، وتوجهتُ إلى المنطقة، متقصياً الحقيقة عبر أقارب لي يسكنون هناك، فأكدوا لي أنّ انفجاراً صغيراً حصل داخل حاوية قمامة، بعيداً عن الحاجز، في الجهة الأخرى من الطريق، ما أدى إلى إصابة أحد المارّة بجروحٍ طفيفة»!