تحاول قيادة العدو برأسيها السياسي والعسكري تهدئة المخاوف في الداخل الإسرائيلي، نتيجة قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالانسحاب من سوريا. وأبرز من تصدى لهذه المهمة كل من رئيس أركان الجيش غادي أيزنكوت، ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو. إلا أن مساعيهما قد لا تحقق المطلوب منها، خصوصاً أنهما لم ينكرا المحطة المفصلية التي ينطوي عليها هذا القرار، بل إن التدقيق في ما أدليا به من مواقف يؤكد ما يحاولان التخفيف من وتيرته.

محاولة أيزنكوت أتت خلال مؤتمر «الجيش والمجتمع الإسرائيلي» الذي ينظمه المركز المتعدد المجالات في هرتسيليا، حيث دعا إلى «عدم المبالغة»، لكنه لم يتمكن من تجاهل الرسائل والتداعيات التي ينطوي عليها هذا القرار، مقراً بأنه «حدث جوهري ومهم». ومع أنه لم يقدم جديداً في توصيف هذا المستجد الذي يتصل بالبيئة الإقليمية المباشرة للكيان الصهيوني، إلا أن صدور هذا الموقف على لسان رأس المؤسسة العسكرية، يكشف عن التقويم المهني في تل أبيب لمفاعيل الخطوة الأميركية على المعادلات الإقليمية ومعادلات الصراع مع إسرائيل.
أتى موقف أيزنكوت، الذي حاول الجمع بين الإقرار بخطورة الحدث ومفصليته وبين ضرورة عدم الهلع، بعدما عكست الساحتان السياسية والإعلامية حالة الخيبة والذهول والصدمة من أصل القرار وتوقيته وسياقاته، فضلاً عن أنه صدر مع تجاهل تام للاعتبارات الإسرائيلية. وما ساهم في تأجيج حالة الخيبة في تل أبيب أن مفاعيل هذه الخطوة حضرت بقوة في وسائل الإعلام وعلى ألسنة العديد من الخبراء والمعلقين والسياسيين، وسبق أن تناولها العديد من المسؤولين، ومن ضمنهم نتنياهو الذي شرح أمام المسؤولين الأميركيين حجم المصالح الأمنية والسياسية الكامنة في بقاء القوات الأميركية في سوريا.
في السياق نفسه، حاول أيزنكوت الإيحاء بأن أداء إسرائيل العملاني كان بمعزل عن تواجد القوات الأميركية، «منذ سنوات ونحن نتعامل مع هذه الجبهة وحدنا»، لكنه تجاهل أيضاً التفصيل في مفاعيل الانسحاب على المستويين الاستراتيجي والسياسي، خصوصاً أن هذا الانسحاب يرفع الحاجز الذي يحول دون التواصل الجغرافي بين أطراف محور المقاومة من طهران إلى دمشق فلبنان، وهو مطلب إسرائيلي ملح لما قد يترتب عليه من نتائج عسكرية وأمنية واستراتيجية.
وتجاهلٌ، أيضاً، للرسائل التي ينطوي عليها الانسحاب التي حضرت وسوف تحضر في وعي وحسابات محور المقاومة، ومؤشر إلى المزيد من التراجع الأميركي على المستوى الإقليمي الذي ستكون له مفاعيله على معادلات الصراع، انطلاقاً من أن النفوذ الأميركي هو جزء من معادلة الردع الإسرائيلية، وهي حقيقة يسلم بها كبار القادة الإسرائيليين والخبراء فضلاً عن أن الواقع ينطق بها.

أراد نتنياهو تخفيف منسوب القلق والخيبة الذي يتفاعل في الأوساط الإسرائيلية


إلى ذلك، انتقد أيزنكوت أيضاً الدعوات إلى استخدام قوة مفرطة في مقابل عمليات المقاومة على جبهة فلسطين، وبرّر ذلك بوصفه أنه «نهج خاطئ»، مضيفاً: «أنا أؤمن بالدمج ما بين النظرية العسكرية والمدنية التي تخدم المصلحة الإسرائيلية». وهو موقف تتبناه المؤسستان العسكرية والاستخبارية انطلاقاً من تقدير أن توسيع دائرة القمع ستؤدي إلى انفجار انتفاضة واسعة وترفع وتيرة المقاومة وتوسع دائرتها. ومما يؤشر إلى هذه المخاوف ما أعلنه أيزنكوت أيضاً، في المناسبة نفسها، عن أن إسرائيل «تعتقل كل سنة 3000 مهاجم وننقذ مئات الأرواح».
ومن الطبيعي أن لا يتجاهل أيزنكوت الوضع في قطاع غزة، الذي وصفه بـ«المعقد جداً». ولفت إلى أن إسرائيل لا تستطيع ردع دول ومنظمات عن التعاظم التقليدي (في إشارة إلى تطوير قدرات المقاومة)، مؤكداً أن إسرائيل تنفذ الكثير من العمليات لمنع وصول وسائل قتالية متطورة إلى داخل القطاع.
في الإطار نفسه، عمد نتنياهو أيضاً إلى محاولة احتواء مفاعيل هذه الخطوة الأميركية، بعدما فشلت – حتى الآن - محاولات ثني ترامب عن تنفيذ هذا القرار، وفي هذه القضية أكثر من رسالة ودلالة:
أول ما يلفت من ردود فعل نتنياهو المنسوب المنخفض من اعتراضه، على رغم الإجماع على كون ما حصل هو سلبي جداً لإسرائيل، وفي أنه لمصلحة محور المقاومة. لكن يبدو أن هناك حسابات وعوامل كبحت نتنياهو عن التعبير الصريح عن الغضب، وهو ما يبرز في كلام أحد وزراء الحكومة، كما نقل المعلق السياسي بن كسبيت: «تصور ماذا كان ليفعل (نتنياهو) لأوباما» لو أنه من اتخذ مثل هذا القرار «لكان ذهب ليُلقي كلمة أمام مجلسي الكونغرس، ولكان حرّض آيباك وإدلسون واللجنة الرئاسية (للمنظمات اليهودية) وكل من أمكن ضد أوباما. ولكان قال إنه يُلحق ضرراً مباشراً بأمن إسرائيل... كل ما أمكن لبيبي (نتنياهو) فعله هو اتصال هاتفي مهذّب مع الرئيس والإعلان أن إسرائيل ستواصل العمل في سوريا لضمان أمنها بدعمٍ أميركي». وهو ما يؤكد حراجة ودقة الوضع الذي يملي على قيادة إسرائيل أداء مضبوطاً ومدروساً إلى هذا المستوى.
وذهب نتنياهو خلال جلسة الحكومة إلى توجيه رسائل نحو الداخل والخارج، بالقول إن «إسرائيل ستواصل سياساتها بالعمل ضد التمركز الإيراني في سوريا». في الداخل، أراد تخفيف منسوب القلق والخيبة الذي يتفاعل في الأوساط الإسرائيلية. وعلى القاعدة نفسها، عمد أيضاً إلى رفع مستوى الاندفاعة بالقول: «في حال الضرورة، سنوسع نشاطنا هناك». ونحو الخارج، هدف من وراء هذه المواقف إلى محاولة التأثير في حسابات وتقديرات محور المقاومة الذي سيدرس هذه الخطوة ومفاعيلها، وكيف يمكن الاستفادة منها، وما تنطوي عليه من رسائل.