يسود سوريا انطباع أن من ليس لديه مال يذهب إلى التعليم الفني والمهني، فما زال التعليم الفني والمهني يحظى بسمعة سيئة تُرافق صاحبها الذي يُوصف بأنه «فاشل دراسياً». البيئة والمجتمع بدورهما يتكفّلان بمنحه مكانة اجتماعية أقل بكثير من ذاك الذي دخل التعليم الجامعي. أما الأهل، فيشعرون بالحرج ويتكفّلون ببيع الخجل بالجملة من ولدهم الذي لم يكن سبباً في رفع الرأس.

«السباك الألماني أغنى من الفيلسوف الأميركي». ترفع هذه العبارة من شأن التعليم الفني الذي رفع من شأن الصناعة في ألمانيا، لكنها لا ترفع في سوريا سوى «مناخير» الشبان السوريين الذين يريدون أن يصبحوا بمعظمهم أطباء، بمن فيهم غير القادرين على تحصيل مجموع الطب. وفي حال لم تتوافر لدى الطالب الرغبة في دخول كلية الطب، تتكفّل رغبة الأهل بذلك، وتدفع بالابن إلى «التعليم الموازي» الجاهز لاستقبال طالب «طب جديد» يُخطئ في كتابة الإملاء لكنه «طبيب المستقبل» في عيون والدته ومجتمعه الذي لن ينظر إليه بعد حين، بل سينظر إلى اللافتة المعلّقة بطول عدة أمتار على باب العيادة، ناسياً الطريق الذي سلكه هذا الطبيب ليصل إلى هذه العتبة، هو اللقب، «لقب طبيب مقابل كل ما في الجيب». يشبه هذا إلى حد كبير بيع الوهم وتصديقه. النصف الآخر من الشبان يريد أن يصبح مهندساً حتى ولو كان مديرو الشركات والمؤسسات الحكومية من المهندسين يعلنونها صراحة وفي وضح النهار، وفي جلسات مناقشاتهم لخططهم الانتاجية والاستثمارية: «نحن نخطط للفشل». أما النتيجة فتعثر عليها في الكاراجات، هناك يجلس ثلاثة أرباع الشبان السوريين خلف «الدركسيون»، وهذا هو «مكسيم» (خريج هندسة ميكانيك) ينادي بشجاعة «تاكسي... تاكسي مدام؟».
«من حقي أتعلم وآخد فرصة متلي متل بقية الناس، وإذا وزارة التعليم عن جد جادة بمساعدة الشباب، ليش تغلق باب التعليم المفتوح، فلتعلم هؤلاء الشباب وتترك للسوق أن يحكم ويختار، البقاء سيكون للأكفأ والأقوى». كلام طوني (طالب تعليم مفتوح) صحيح مئة في المئة، تؤيده في ذلك أسمى القوانين وأعلاها سلطة في سوريا ممثلة بـ«الدستور» الذي كفل للسوريين جميعاً حق التعلم، لكنه ليس صحيحاً عندما يتعلق الأمر بسلطة الأمر الواقع، سلطة سوق العمل، السلطة الحقيقية الفاعلة على الأرض. فسوق العمل في سوريا ليس معنياً بالجامعة، والجامعة تطبّق تعليمات وزارة التعليم العالي غير المعنية بالسوق هي الأخرى والمعزولة عن كل الضجيج الذي يحدثه متخرّجو الجامعات على الرصيف، وقد بات ينافسها مؤخراً على دورها الذي انحصر في استيعاب وتخريج أكبر عدد من الطلاب العاطلين من العمل والمعطلين من الحياة والعيش.
لا يختار السوق في سوريا من يعمل، وفي حال قرر أن يختار فهو ينتقي القليل جداً، فهذا سوق الإعلام لا يستطيع أن يستوعب 50 طالباً من متخرّجي كلية الإعلام (تعليم نظامي)، فكيف الحال مع بقية الفروع، خاصة النظرية منها (تاريخ ـــ جغرافيا ـــ فلسفة ـــ علم اجتماع)، وهذا أحد المعنيين يقول: «هناك 21 ألف طالب متخرج في التعليم المفتوح، يوظَّف منهم 900 شخص فقط».
تَحَوُّل الجامعات إلى مستودع يكدّس هذا العدد الكبير من الطلاب ومن ثم تخريجهم إلى الرصيف برتبة «عاطل من العمل»، طرق مجدداً باب الحديث عن «أسطوانة الربط بين الجامعات وسوق العمل». الربط بين الجامعات وسوق العمل كلام قديم جديد يتم تحديثه بالتكرار فقط، من دون أن ينجح ولو مرة واحدة في إيجاد برنامج عمل تطبيقي على الأرض. وزارة التعليم تقول إن مهمتها ليست ملاحقة المتخرّجين بعد التخرّج وإيجاد فرص عمل لهم، فذلك وظيفة باقي الوزارات. باقي الوزارات يعيد رمي الكرة إلى وزارة التعليم، لا أحد يبحث عن الولد اللقيط الذي يُسمّى «تنسيق» ليحاول إيجاده بين وزارة التعليم وباقي الوزارات. على هذا النحو، تمضي وزارة التعليم عامها التدريسي، ومثلها تمضي باقي الوزارات عامها بتسديد ضربات الجزاء كل منها إلى الأخرى، فيما ينجح الرصيف في إدخال الأهداف واحداً تلو الآخر إلى شِباك عقول الشبان الجاهزين للذهاب إلى الخيارات الكارثية، خيارات مهمتها إنتاج الأزمات. حدث هذا خلال الأزمة التي لمّت شمل كل التيارات الدينية المتطرفة ومعها لمّت عدداً لا بأس به من الشبان الجامعيين السوريين.
«هي سياسة الجزر المعزولة» كما وصفتها نائبة عميد كلية الإعلام في جامعة دمشق الدكتورة نهلة عيسى، قائلةً: «من المؤسف أن وزاراتنا عبارة عن جزر منعزلة. القبول الجامعي ليس له أي علاقة بسوق العمل، يفترض أن يكون هناك استيعاب يتفق وحاجة سوق العمل، وهذا ما نحتج عليه دائماً في الكليات». والحل؟ نسألها، فتجيب: «يجب أن يكون هناك قرار وطني، وأن يُعاد النظر في سياسة الدولة في ما يتعلق بمسألة التوظيف، وأن يُزج بالقطاع الخاص في هذا الموضوع, ما يفعله القطاع الخاص الآن هو استقطاب الأفضل الموجود في القطاع العام، يُفرِغ القطاع العام من كوادره المتميّزة ويفاقم أزمة البطالة الوظيفية في سوريا».
لم تقف مشكلة التعليم الذي انخفضت جودته بحسب المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، والذي أعلن خروج سوريا من مؤشر جودة التعليم عام 2016، عند زيادة عدد المتخرّجين الباحثين عن عمل، بل تجاوزتها إلى تراجع حال المدرّسين الذين تحوّلوا أخيراً إلى «واضعي أسئلة» و«مصحّحي أوراق» للامتحانات المتكررة التي يتجاوز عددها ثمانية امتحانات خلال العام. وهذه الدكتورة نهلة عيسى تؤكد مرة أخرى: «لقد أثّر هذا سلباً على حالتنا البدنية والنفسية، وأثّر حتى على تطويرنا لأنفسنا. لم يعد لدينا الوقت حتى لإجراء بحث علمي. لم يعد لدينا وقت حتى للحديث مع أفراد أسرنا».