تُعرف المدن ذات الهويات المؤطّرة والثابتة بأبوابها، فهي صلة وصلها مع الخارج. أمّا مدن الموج فأبوابها مختلفة: كلّها للداخل وفي الداخل، وبذلك تكون اللاذقية سيدتها.

قيل: كانت لها بوابات ثلاثٌ، وقلعتان: إحداهما في البحر تهدمت إثر زلزال ضرب المدينة منذ قرابة قرنين، والأخرى أعطت اسمها لأحد أحيائها قبل أن تُهدم في القرن الثالث عشر الميلادي، فامشوا في إثرنا لنرفع اللثام عن الحجارة المنسية. صباحاً وبالقرب من بابها الوحيد المتبقي، نفتح باباً للجروح في دار كفالة الأيتام. نستمع إلى قصص كنا نعلم بوجودها ولكننا لم نتفكر بها يوماً. من هؤلاء الأطفال من ذاق مرارة خسارة الأب، والبعد عن أم وعائلة لا تستطيع إعالته، ومنهم من تُرك في حدائق وأماكن عامة، كثيرون منهم لا يذهبون إلى المدرسة لعدم توافر أوراقهم الثبوتية.
يقول البعض «ليس في اللاذقية ما يستهوي المرء». تُسيطر على الأذهان هذه الفكرة حتى يطالعك على غفلة من الحاضر أحد الأزقة: الحجارة الكبيرة توحي لك بالأمان، وبأن القابعين خلفها مصانون بل ومترفعون عن أولئك الذين يسكنون الأبنية الحديثة. حديث عابر مع رجل في عمر أبيك كفيل بأن يحوّلك من غريب عن المكان إلى ابن له (حديث عن الرواتب في هذه الأيام، الشهادة الجامعية، الأولاد، وسعر غرام الذهب في السبعينات).
تبحث مطولاً عن أي شيء يدلك على تاريخ المكان، من دون جدوى، فتتمنى لو صدق وهم نزار قباني حول قدرة الشبابيك على الكلام، تعرف أنك في «العوينة» فقط.
على مقربة منك حيٌّ بأكمله يُشبه دهاليز الذاكرة، اسمه «الهاكيدون». تمشي خطوات قليلة مودعاً «مدرسة الشهداء»، وعيناك ترنوان إلى أعلى نقطة في المدينة، هناك حيث رقدت القلعة منذ زمن. فجأة تناديك الصدفة البحتة، ترى باباً يهيّأ لك أنه باب بيت عادي. «افتح يا سمسم» وها هو الحيّ بأكمله أمامك، من بنى «الهاكيدون» على هذه الشاكلة آمن أنّ على الحيّ أن يكون فعلاً بيتاً واحداً، ساحة للعب الأطفال، وكلمات بالأرمنية تسمعها ولا تفهمها، لكن يبدو أن المكان ألفها وأحبها.
رغم غرابة التكوين المعماري لهذه البيوت، ورغم الأبواب المفتوحة التي تبيّن وتخفي دواخل المنازل، ورغم النباتات البسيطة التي اتخذتها الشرفات هوية لها، فإن مجرى الماء القديم في منتصف الحيّ هو ما يجذبك. آمن سكان المكان أنّ «بيت روحهم» لا بدَّ أن يعمّد في كل حين، وأنّ هذا المكان هو جنتهم التي تجري من تحتها الأنهار.
تغلق باب الحيّ خلفك، وتصبو نحو باب المدينة الوحيد المتبقي أسفل درج جامع النور الكبير. لا يجذبك كثيراً فتعود لتؤمن بأنّ عليك مصادقة الأبواب الداخلية، أن تكتفي بداخلك كما هي اللاذقية مدينةٌ لا تعبأ بإظهار ذاتها، ولا بالمديح، ولا بالغزل، ولا بالشهرة، كما لا تعبأ باللامبالاة. برغم ذلك، فإنك لن تستطيع تجاهل ما اختزنته ذاكرتك عن الدرج الطويل المؤدي إلى جامع النور (المغربي). هي دعوات ونذور كثيرة وفى بها أهل اللاذقية في هذه البقعة بالذات، كُثرٌ نذروا أن يصعدوا الدرجات حفاة. من يحتاج قلعة وفي مدينته درج يصعد بالدعوات إلى السماء فتلبى ويكرّم أصحابها.
تعود أدراجك، تسلّم على باب الحكايا الذي فُتح لك قبل قليل. تمرّ تحت قنطرة «شارع القناصل» القديم. تخاطب الشرفات المستندة إلى دعائم خشبية قديمة، فتستنتج أنّ من يسندها حتى اللحظة هو نظرات المارة.
في «العوينة» أيضاً ترثي المدينة حين تدخل الجامع الجديد وتراه آيلاً للسقوط نتيجة خطأ في الترميم! ترثي «المحكمة المملوكية» القديمة التي صار نصفها خرابة، ونصفها الآخر غرفاً للإيجار تأوي إليها عائلات بسيطة! تستأذن لتصعد الدرج الداخلي للمحكمة، حين تصل السطح تبتسم. تود لو تستطيع أن تعرّي كل من أوصل المدينة القديمة إلى هذه الحالة، وتذيع الحكم من «برج العدل» القديم الباقي إلى الآن.
بعد جولة الألم، تمشي من دون وجهة فتنتهي في مكان يؤمن، كما تؤمن أنت، بأنّ «المكان الذي لا يؤنّث لا يعوّل عليه». تجلس في مقهى «قصيدة نثر» لتكتب رسالة اعتراف للمدينة، تقول فيها إنّك كالآخرين، وإنك برغم الحب تذمّرت يوماً من العيش فيها، من قلّة الفرص، ومِن... ومِن...