اللاذقية | التسوّق في شارع العنّابة الشعبيّ، وسط مدينة اللاذقية، يوحّد فقراء الأحياء والريف البعيد. إذ يجتمع هُنا كل من يريد شراء شيء ما، بأثمان لا تروّع العقل، وفق زيادة الأسعار المطّرد. وجوه بسيطة تكسوها ملامح حزن قديم وهموم لا تنتهي تميّزهم عن سواهم من مرتادي مطاعم الدرجة الأولى والفنادق السياحية المفتتحة. تتخلل المشهد تعزيزات لموظفي البلدية الملزمين بإزالة «الآرمات» وقواعدها الحديدية، بحجة مخالفة ما، أو إزالة إشغال «بسطات» الملابس الرخيصة الثمن للرصيف. يتواجد عناصر «حفظ النظام» بأعداد كبيرة، منعاً من حدوث إشكاليات أثناء تطبيق القانون.

يمكن متابعة الوجوه المتحلقة أمام أحد هذه المحال المعاقَبة، لتمييز ملامح الفجيعة على أحد الواقفين قريباً من الواجهة، فتعرف أنه صاحب «باب الرزق» هذا، والذي ستذبحه الخسارة في الزمن الصعب. وإن كان طمع التجار سائداً في هذه السوق، أسوة ببقية الأسواق، وتطبيق القانون مطلب الجميع على حد سواء، فالتساؤل يبقى عن روح القانون، والبدائل التي يجب أن توفّرها هذه الصرامة الحكومية في تطبيق النظام، في مدينة تغصّ مقابرها بالشهداء وشوارعها بذويهم. ومن تحدّثه عن القانون، قد يحدّثك عن البطالة، مثنياً على هذا الذي مضى يجر عربة «فول نابت»، أو يقف قرب «بسطة» ألبسة مستعملة، بدلاً من أن يسرق ليعيش ويطعم أبناءه. هذا الذي يقتنع بالحلال على رغم عدم توافر العدالة في توزيع الفرص، قد يكون «قديساً» كثير العيال، وليس مجرد بائع طامع بليرات إضافية من جيوب فقراء مثله، أو أغنياء الكوكب الآخر. فهل هُناك من ينقذ قوت يومه بتوفير فرص عمل بديلة، بالتوازي مع منعه من مخالفة القانون وتشويه المنظر العام؟ أم إن وجوده على قيود الفقر في هذه البلاد هو بحد ذاته تشويه لمظهر المدينة، بالنسبة إلى مسؤولين يغضون الطرف عن الفساد ومخالفات التجار الكبار؟
محال تجارية متتالية تغلق واجهاتها، خلال اليومين الفائتين، في معظم الأسواق. الحجة متناقلة على ألسنة أهل المدينة عن دوريات للجمارك وأُخرى للتموين، ما يوحي بسيادة القانون فعلاً على شوارع اللاذقية. هذا لا يعدو كونه نكتة سمجة، بالنسبة إلى بعض الأهالي، فهم الذين خبروا جيّداً مصير كل هذه الحملات، التي لا يكون همّها الفقراء أبداً، بل مكافحتهم. وما زاد الطين بلّة في الشارع الساحلي، قرار معاون وزير التجارة الداخلية وحماية المستهلك، المتضمن تشديد الرقابة على الأسواق التي تتعامل في بيع الملابس المستعملة (البالة) وضبطها، ثم طيّه لاحقاً من قبل الوزير عبد الله الغربي. ومن المعروف أن للملابس المستعملة المهرّبة سوقاً رائجة في الساحل، بفعل أسعارها المعقولة التي تقل عن أسعار الملابس الوطنية، إذ وصل سعر البنطال في السوق إلى 15 ألف ليرة، بحسب جودة صناعته المحلية. وعلى رغم سخط المواطنين بادئ الأمر على القرار، الذي بدا كما لو كان ملاحقة المواطنين لنزع أوراق التوت التي تستر عوراتهم، فإن طيّه لم يلقَ الأصداء الإيجابية المتوقعة. البعض عزا طي القرار إلى التجار النافذين الذين يقفون خلف هذه التجارة الرائجة، فيما رأى آخرون أن التراجع عن عبارة «تشديد الرقابة وضبط الملابس المستعملة» يظهر كما لو أنه تراجع عن تهريبها وغض الطرف عن مهربيها. بينما قلة قليلة من الساحليين اشتكوا من ارتفاع أسعار الملابس المستعملة أيضاً، مقارنة بأسعارها الزهيدة في الخارج، وسط محاولات غش مستمرة تتضمن تطعيم البضاعة المهربة ببعض المنتجات الوطنية وبيعها على أنها أجنبية. لا يصدّق كثيرون حرص المسؤولين على حماية المستهلك والصناعة النسيجية الوطنية، عند استصدارهم مثل هذه القرارات العجيبة، مستذكرين مرحلة تآمر هؤلاء على مصانع حلب النسيجية وصناعييها، أيام «شهر العسل» السوري التركي. ولعلّ حظر بيع البضائع النسيجية التركية المهرّبة المنتشرة في الأسواق السورية يتطلب استصدار قرار حاسم وأكثر إلحاحاً، إضافة إلى قرارات تتعلّق بتخفيض التعرفة الجمركية على المواد الصناعية الأولية المستخدمة في الصناعات النسيجية، كنوع من الدعم للصناعيين والصناعة الوطنية. فإن كانت القرارات التي تتطلبها حماية المستهلك والصناعات الوطنية واضحة للمهتمين بالعمل على استصدارها، فمن يقنع الحكومة، حتى ذلك الحين، أن تبقي لشعبها القليل من «السترة»!