كلّ من يقصدُ دمشق القديمة، يفضّلُ من الطرق أطولها، لكي يملأ عينه وباقي حواسّه بأكبر جرعة من حجارتها وحكاياتها. لكن الأذن تمتلئ بصوت أبو عادل فور وصولك إلى سوق الذهب، بعد أن يمتلئ أنفك برائحة البهارات في سوق البزورية، وستمتلئ روحك بعد قليل فور وصولك إلى حرم الجامع الأموي. الكل يعرف محمد أيمن العوف، كيف لا وهو صاحب النكتة الظريفة والحكاية اللطيفة، وخيرُ من حادث السيّاح الأجانب في ما مضى، وغنّى الأغاني، وسرد الروايات.

في خان صغير على كتف سوق الذهب، فرش أيمن العوف بضاعته الخشبية المكدَّسة بعد أن هجر السيّاح محلّه وبلاده، وبقي يتحدّث مع بضاعته في انتظار زبون مرّ صدفة، أو مغترب بات له بمثابة سائح، قد يشتري منه بعض البضاعة.
لا يبدو على أبو عادل أن سنواته تجاوزت الستّين، لكن خبرته في الحياة تفضحه بعد أن يبدأ بالتحدّث. يقول الرجل: «تعلّمت التحدّث باللغات الإسبانية والفرنسية بالإضافة إلى الإنكليزية، لا بدّ من تعلّم القواعد الرئيسة من أجل التحدّث مع السيّاح، أما اليوم فلا داعي إلا للحديث الشامي، الحال من بعضه، وحارتنا ضيّقة».
يملكُ أبو عادل شخصيّة مميزة للغاية، و«كاراكتر» فريد يميّزه عن باقي الباعة، فهو يبدأ بالحديث مع الزبون الذي قد يطولُ لساعة كاملة، ويحاول أن ينصح زائره بالبضاعة الأفضل والأرخص، ولا تفارق البسمة وجهه، وكذلك الدمعة عينه.
يجلس أبو عادل على كرسي طويل، منصّباً نفسه مُختاراً للخان والسوق، فهو أكبرهم سنّاً، يعلمُ كلّ من مرّ على هذه الحجارة، ويقول: «الجيل الحالي ليس صبوراً، لم يتحمّل سنوات الحرب، ففضّل الرحيل إلى الخارج، ولو كان لهذه الصناديق لسان، لنطقت ونادت لأولادنا... لا ترحلوا... لا ترحلوا».