لا يكمن جوهر نزف الاقتصاد السوري في انخفاض الناتج المحلي مقدّراً بالدولار، ولا تكمن أكبر الكوارث في حجم الدين العام، ولا في ارتفاع الواردات وانخفاض الصادرات، ولا حتى في تدهور قيمة الليرة في أسواق الصرف. صحيحٌ أنّها مشكلاتٌ جسيمة يرزح الاقتصاد السوري اليوم تحت وطأتها، لكنّ مربط الفرس هو حجم الخسائر في رأس المال بوصفه رافعةً لأي إنتاج محلي في الدولة. تُقدّر هذه الخسائر حتى الآن بحوالى 90 مليار دولار، نصيب القطاع الصناعي وحده 15 مليار دولار منها، و27 مليار دولار خسائر قطاع البناء والتشييد، أما خسائر البنى التحتية فحوالى مليار دولار، و8 مليارات دولار أخرى نصيب قطاع النفط. بدورها، تُقدّر خسائر الناتج المحلي بحوالى 169 مليار دولار، وهي خسائر تُبنى على حساب ما حُرمه الاقتصاد السوري من نمو بسبب الحرب. وبمعنى آخر، هي خسائر تقديرية لنمو كان مأمولاً بنسبة 5.6 في المئة.

أكثر ما يهم الاقتصاد الآن ليس إجمالي الخسائر، إنّما صميم المشكلة في تعويض الـ 90 مليار دولار من رأس المال المدمر، والذي يؤثّر على كثير من الجوانب الاقتصاديّة لبلدٍ يحاول التعافي من كوارث الحرب، من عجز الموازنة وهشاشة الرواتب وخسائر الناتج المحلي والدين العام والانخفاض الحاد لمنسوب الاحتياطي النقدي.
إلى الآن، تم التعامل مع المشكلات الاقتصادية الطارئة بوصفةٍ حوّلت الاقتصاد السوري من «اقتصاد اجتماعي حر» الى «اقتصاد حربي» يعالج الأزمات العاجلة (أو يسعى إلى التعاون الخارجي لحلها)، وخاصة أن نسبة 83 في المئة من السوريين ترزح اليوم تحت خط الفقر، وأن قيمة الليرة في أسواق الصرف انخفضت بنسبة 900% والتضخم تجاوز الـ 700%.
في الوقت الرّاهن، ثمّة بوادر لظهور نواة اقتصاد رأسمالي في سوريا، القوة والثراء فيه لمن يملك وسائل الإنتاج ويحرك الأسواق. وهو أمرٌ لن يستطيع النهوض بالوضع المعيشي للغالبية العظمى، لكن يمكنه ترميم بعض انهيارات رأس المال شريطة «الاستخدام الحكيم» لرؤوس الأموال السورية المُهاجرة التي تعتزم العودة، علاوة على رؤوس الأموال التي بقيت في البلاد، ورؤوس أموال «الأغنياء الجدد». وإذا ما لُعبت هذه الورقة في شكل صحيح، فستكون متاحةً الإفادة منها في تحقيق زيادة (تلقائيّة) للناتج المحلي، وتشكّل فرصة لرفع سوية الرواتب الحكومية والتعويضات لذوي الشهداء والجرحى والمتقاعدين والمتضررين والمهجرين.

صميم المشكلة في تعويض الـ 90 مليار دولار من رأس المال المدمّر


لكن، أي الأقسام من «رأس المال المدمر» يستوجب تسخير الدعم الحكومي ومنحه التسهيلات ليكون الأكثر فعالية في توليد رأس المال المؤسس للناتج المحلي؟ جواب السؤال يحسمه نوع الاقتصاد الجديد المرغوب رسمه في المرحلة القادمة. من غير الممكن إعادة بناء رأس المال المفقود في جميع القطاعات في آن واحد وبشكل فوري. ومن غير المهم اسم أو نوع الاقتصاد المراد تأسيسه من جديد، المهم حقيقةً أن يكون هذا الاقتصاد قويّاً. في الوقت نفسه، لا يبدو مناسباً للواقع السوري أن يتشكّل اقتصاد استهلاكي، يضمن للشعب المُنهك أن يتفرّج على استثمارات متسارعة وضخمة لا تُقدم له فائدة حقيقيّة، بل تبقيه في دائرة «كل ما نجنيه نُنفقه يومياً». وأيضاً لن يكون مناسباً للتاريخ السوري أن يتحوّل الاقتصاد إلى اقتصاد نفطي نعتمد فيه على ترميم رأس المال النفطي المفقود ليولّد زيادة في الناتج المحلي. ورغم أن هذا أسرع الحلول لزيادة الناتج وتحسن المعيشة، فإنّه لا يؤدي إلى مستقبل تنموي مأمول لمجتمع يود التدخل في العملية الإنتاجية لإنهاض اقتصاده. لذا يُعتبر النهوض برأس المال الصناعي المهدور، وتكثيف الجهد لإعمار قطاع صناعة المواد الأولية تحديداً هو أفضل الحلول، ولا سيّما أن هذا القطاع يستهلك معظم القطع الأجنبي بسبب استيراده وإدخاله في العملية الإنتاجية الصناعية وإعادة التصدير. في عام 2017، لم يُحقق النشاط التصديري ما كان مأمولاً منه. صحيح أن الصادرات ارتفعت من 30 مليون دولار إلى 700 مليون دولار، لكنّ التوقعات كانت تُبشر بارتفاع متوقّع يقارب خمسة مليارات دولار، غير أنّ عوامل عديدة حالت دون ذلك.
إن الالتفات إلى القطاع الصناعي وترميم خسائره كفيلٌ بخفض أسعار البضائع المصنّعة، وبالتالي إغناء السوق المحلية عن المستوردات والبضائع المهرّبة، وتأمين احتياجات المستهلك بأسعار أقل، مع ما يعنيه ذلك من دعم للقطاع الصناعي. لا ننكر أن التنمية التجارية وتحقيق ميزان تجاري رابح في حركة الاستيراد والتصدير هو الإجراء الأسرع جدوى في هذه المرحلة لدر المال المشغل لحركة إعادة الإعمار، لكن الترشيد الحكيم للمستوردات مع تفعيل الصناعة المحليّة هو الحل الجذري لكثير من مشكلات السنوات القادمة، وهو حل حقيقي لا ينتمي إلى وصفات «المسكّنات الآنيّة» من مثل: نُصدر ما نستورده مع بعض التعديل على المنتج، والكثير من التعديل على السعر بسبب التضخّم.