(1)



يجرّ لؤي صوفاني قدميه على الأرض، وفي يده صورة لم تغرِ نيران الحرب بأكلها، ولا اللصوص بسرقتها. نفض عنها الموت، وحملها عائداً إلى عالمه المغبّر. يقول مشيراً إلى الصورة «كان عمري 25 سنة، واليوم عمري 46، شاب شعري باكراً، وحفرت الحرب طرقاتها على وجهي». لا تزال شفتا لؤي قادرتين على رسم ابتسامة مزيّفة للكاميرا والناظرين، يقول لنا ساخراً «وجدت نفسي بين الركام في صورة مؤطّرة، يبدو أنّني في حالة جيدة (...) الأهم أن الجميع بخير ولم يصب أحدٌ بمكروه»

(2)



تحمل أم رائد كيساً أسود يحوي كلّ ما وجدته من صور لها ولعائلتها التي سكنت مخيم اليرموك لأكثر من أربعين سنة، قبل أن توقف الحرب شريط الذكريات عند عام 2012، حين وجدت آخر صورة لها على شرفة منزلها. الشرفة التي لم تجدها صبيحة هذا اليوم.
يرنّ هاتف أم رائد بشكل متكرّر، ولا تلتفَت إليه، ربمّا كانت تتجاهله عامدة. تجد السيدة الستينية كرسياً تستريح عليه. لا تملّ من النظر إلى بقايا بيتها من دون أن تنزل من عينها دمعة واحدة، تقول بحسرة «ذهب الولد، والزوج، والأرزاق. أكلت الحرب كل ما نملك، ولم تُبقِ لي سوى قليل من الذكريات والصور».

(3)



تمطّ رانيا الحمامي نفسها محاولة أن تتبيّن من بين الرؤوس ما إذا كان الطريق نحو المخيّم قد فُتح. تتوسّل إلى شخص أمامها كي يفسح لها المجال، علّها تجد طريقة تُدخلها إلى حارتها التي تقع في نهاية المنطقة، قبل أن تتمكن من التسلّل مع عدد من المدنيين المصرّين على «مواجهة مصيرهم».
تحاول رانيا (30 عاماً) ألا تتوه في الطريق العام، بعدما تغيّرت ملامحه كليّاً. تتمتم كلماتٍ غير مفهومة أثناء مشيها.
تضع يدها على خدها تارة، وعلى يدها الثانية تارة أخرى. تشرح بحزن أنها تسكن الآن محلّاً في منطقة قدسيا غرب دمشق، بعدما قتل زوجها خلال الحرب، وبقيت وحيدة مع طفليها. لا تبالي السيدة بمسير ثلاثين دقيقة تحت شمس لاهبة، تتجاوز في خلالها عشرات الحفر والمتاريس والخنادق.
تتوقّف أخيراً، تبتسم للحظة، قبل أن تنقلب ملامحُها وتركض نحو طبقات أحجار مكوّمة. تشهق، يملأ صراخها المكان، ويشدّ عويلها أنظار العشرات ممّن لم يلتقوا مع منازلهم بعد.
تجثو على ركبتيها متحسّرة، وتقول باكية «آخر ما تبقى لي، لقد أنهكني التنقّل واستغلال الآخرين لي، واستضعافي كوني أرملة بلا عمل. كنت أحلم بالعودة إلى منزلي، لأحفظ فيه ماء وجهي مع أطفالي».

(4)



غيّرت لورا نوفل (32 سنة) صورتها الشخصية على «فايسبوك»، لتضع مكانها صورة عائليّة قديمة تجمعها مع أبويها وإخوتها. كتبت تحتها «الصورة الناجية من كل دمار البيت، إنها أقوى من الحجر والحديد». تقطن لورا مدينة بيروت، وتبعد عن مخيم اليرموك أكثر من 120 كلم. لكنها كانت «على الخط» مع أخيها الذي ذهب إلى المخيم، وراوغ طويلاً حتّى تمكّن من الوصول إلى (بقايا) منزل العائلة. تحوّل الأخ إلى رسول للذكريات، ينفض الغبار عن الصور المدفونة تحت الأنقاض، ويبعث فيها الحياة المغسولة بماء العيون المالحة. تقول لـ«الأخبار» عبر الهاتف «لم يجد سوى الخراب. استخرج من تحت الرماد صوراً للعائلة، والشهادة الابتدائية المدرسيّة، وآلة تصوير قديمة، ووعاء حليب. هذا كل ما نجا». تغصّ بدموعها، ثم تقول بصوت متهدّج «البيت راح، أبي راح، أختي لا أدري متى تعود، وأنا بعيدة أيضاً. لم يبقَ ما يجمعنا سوى هذه الصورة. لكنّنا اليوم غير قادرين على أن نكون في إطار واحد مرة أخرى». تختلطُ مشاعر لورا، تصمت لحظاتٍ، ثم تقول بإصرار «نحن موجودون هنا، ولو في صورة داخل إطار».