الحسكة | لم تكتمل فرحة وزارة الزراعة بإنجاز سيطرة الجيش السوري على مساحات واسعة من الشرق والشمال السوري، حتى جاء تأخر الأمطار هذا العام ليخفف من الآمال بموسم مختلف عن المواسم العجاف الخمسة الأخيرة. وعرفت البلاد في الموسم الفائت أسوأ حصيلة رسميّة لكميات القمح التي تسلّمتها المراكز الحكوميّة من الفلّاحين، وهي 300 ألف طن فقط، في مقابل قرابة أربعة ملايين طن في عام 2011. ولا يبدو الموسم الحالي مرشّحاً لقلب المعطيات بسبب قلة الأمطار في خلال شهَري إنبات المحاصيل (آذار ونيسان)، ما تسبب بانعدام الأمل بإنتاج الأراضي البعلية، وحصره بالمساحات المروية فقط. وكان تحرير الجيش مساحات واسعة من أرياف دير الزور والرقة وحلب قد عزّز الطموحات بدعم قطاع الزراعة المتهالك، ولا سيّما أن المحافظات الثلاث (بعد الحسكة) تعد الأهم في إنتاج محصولَي القمح والشعير الاستراتيجيين. وتقول إحصاءات وزارة الزراعة هذا العام إن قرابة «مليون و100 ألف هكتار»، قد زرعت في مختلف أنحاء البلاد، مع غياب أي تقديرات عن كميات الإنتاج المتوقعة، فيما ارتفعت المساحة المزروعة بالشعير إلى «مليون و800 ألف هكتار»، بزيادة قرابة 90 ألفاً عن العام الفائت.


«الزراعة تتعافى»
يرى وزير الزراعة أحمد القادري، في حديث إلى «الأخبار» أن «تحرير مساحات واسعة من أرياف الرقة وحلب ودير الزور هو بداية تعافٍ لقطاع الزراعة في البلاد»، ويضيف «الحكومة دعمت الفلاحين في ريف حلب الشرقي بالري، وأمّنت البذار لفلاحي دير الزور، مع تعثر في عملية الري التي تدعمها الحكومة في ريف دير الزور الشرقي، بسبب الضرر الكبير الحاصل في الشبكة». ويؤكد القادري أن «الوزارة قامت بتأمين كل مستلزمات الإنتاج الزراعي لجميع المحافظات، ما عدا الحسكة، بسبب ظروف الطرقات». وتعدّ محافظة الحسكة أكثر محافظة تنتج القمح في سوريا، بنسبة تفوق 45 في المئة من الناتج العام للبلاد. وهي نسبة تزايدت في ظل الحرب لتتجاوز حاجز الـ 90 بالمئة، بفعل خروج مساحات واسعة من الأراضي الزراعيّة في بقية المحافظات عن السيطرة الحكومية. وسجلت الحسكة هذا العام تنفيذاً لخطة زراعة القمح البعلية بنسبة 74 بالمئة. وتمت زراعة 320 ألف هكتار من أصل 445 ألف هكتار كان مخطّطاً لزراعتها، لكن معظمها خرجت من الخطة بسبب تأخر الأمطار. فيما بلغت نسبة تنفيذ الزراعات المروية قرابة 31 بالمئة من خلال زراعة 91 ألف هكتار من أصل المخطط والمقدر بـ 228 ألف هكتار.

توزع الأراضي المروية في العام 2016


ويعيد الخبراء الزراعيون قلّة المساحات المروية إلى عدم توافر مستلزمات الإنتاج الزراعي من أسمدة ومحروقات وكهرباء. ولا يبدي مدير زراعة الحسكة، عامر سلو، تفاؤلاً بهذا الموسم، فيقول إن «الواقع الزراعي في المحافظة سيئ بسبب ندرة الأمطار الهاطلة هذا العام»، وتوقّع سلو أن تنتج الحسكة «200 ألف طن قمح فقط من المساحات المروية، بانخفاض نحو 500 ألف طن عن العام الفائت الذي بلغ إنتاجه 675 ألف طن». ويُعلّل سلو انخفاض الكميات المسوقة إلى المراكز الحكومية في المحافظة، إلى نحو 184 ألف طن فقط العام الماضي، بـ«افتتاح الإدارة الذاتية مراكز تسلّمت أكثر من 200 ألف طن من الفلاحين، واحتفاظ الفلاحين بقرابة 100 ألف طن كبذار، بالإضافة الى شراء المطاحن الخاصة كميات كبيرة من الفلاحين مباشرة». فيما يكشف مدير زراعة دير الزور، محمود حيو، في حديث إلى «الأخبار» أن «الكميات المزروعة وصلت هذا العام إلى أكثر من 25 ألف هكتار، مع توقع بوصول الإنتاج إلى 50 ألف طن سيسوّق معظمها للمراكز الحكومية لأول مرة منذ أكثر من أربعة أعوام». وتشير الإحصاءات إلى أن دير الزور كانت تنتج قبل اندلاع الحرب في البلاد قرابة 300 ألف طن من القمح.
رفعت الحكومة تسعير شراء القمح والشعير لجذب المزارعين إلى مراكزها


بدورها؛ شهدت محافظة حلب ارتفاعاً ملحوظاً في المساحات المزروعة هذا العام، وفق تقارير حكومية أكدت تنفيذ الخطة الزراعية بنسبة 68 بالمئة بالنسبة الى الأراضي البعل، إذ تم زراعة 108 آلاف طن من القمح من أصل الخطة التي وضعت هدف 159 ألف طن، فيما ارتفعت نسبة تنفيذ خطط القمح المروي إلى 84 بالمئة، وذلك من خلال زراعة 154 ألف هكتار من أصل 182 ألف هكتار مخططة. ويتوقّع أن يتم تسويق كميات القمح المنتجة إلى المراكز الحكومية من مناطق الباب ومنبج ودير حافر للمرة الأولى منذ ستّ سنوات، وخاصة بعد عودة 41 ألف عائلة إلى تلك المناطق، وفق الأرقام الحكومية. أما في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة السورية من محافظة الرقة، فتمّت زراعة 205 آلاف هكتار، من أصل الخطة الزراعية المقدرة بـ 250 ألف هكتار من القمح المروي والبعل، وسط غياب أي تقدير للإنتاج نظراً الى الضرر الكبير الحاصل على شبكة الري، واعتماد الزراعة في المحافظة على الشق البعلي بشكل شبه كامل.

التهريب يحد من التسويق
تؤكد مصادر عدّة أن سيطرة الجماعات المسلحة على مساحات واسعة من البلاد خلال سني الحرب الفائتة، أفرزت تنشيطاً لحركة تهريب القمح السوري باتجاه دول الجوار كتركيا والعراق، الأمر الذي أكده وزير الزراعة قائلاً إنه «نشطت حركة التهريب بفعل انقطاع الطرقات، وتعثر وصول الفلاحين إلى المراكز الحكومية». ورأى القادري أن «اكتشاف كميات كبيرة في مستودعات الجماعات المسلحة بعد تحرير عدد من المناطق يؤكد وجود التهريب». وبدأت سوريا بالتحوّل من بلد مكتفٍ ذاتياً من إنتاج القمح إلى بلد مستورد، في مطلع عام 2013، إثر انخفاض محصول الموسم الذي سبقه إلى أقل من مليون و700 ألف طن في موسم، لتلجأ الحكومة إلى الاستيراد بهدف تأمين حاجة السكان من القمح والمقدرة بمليوني طن سنوياً. وتسعى الحكومة السورية الى استثمار تحرير مساحات واسعة ذات طابع زراعي، بغية رفع إنتاجها من المحاصيل الاستراتيجية كالقمح والشعير والقطن، عبر إجراءات عدّة مثل تأمين مستلزمات الإنتاج، وترميم شبكات الري. كما رفعت اللجنة الاقتصادية في رئاسة مجلس الوزراء تسعيرة شراء القمح في المراكز الحكومية من 140 ليرة العام الماضي إلى 175 ليرة، والشعير من 110 ليرات إلى 130 ليرة، كخطوة لجذب الفلاحين نحو تسليم إنتاجهم للمراكز الحكومية. وافتتحت الحكومة هذا العام 36 مركزاً بزيادة عشرة مراكز عن العام الفائت، من بينها مراكز في دير الزور والرقة وإدلب وريف حلب الشرقي.

مطر أيار
أدت العواصف المطرية التي تعرضت لها سوريا في خلال الشهر الجاري، وخاصّة المحافظات الشرقية، إلى تلف مساحات زراعية واسعة. وعلاوة على وفاة سبعة أشخاص (ستة منهم أطفال يعملون بالرعي)، فقد أدت السيول الناتجة من الأمطار الغزيرة، وارتفاع تدفق الأنهار الرئيسة كالفرات والخابور والجغجغ إلى تضرر مساحات زراعية مروية، مع خروج معظم المحصول البعلي من خطة الإنتاج، في ظل غياب أي إحصاءات رسميّة دقيقة وشاملة. ويؤكد مدير زراعة دير الزور محمود حيّو، أن «الأمطار والسيول أتلفت 2695 دونماً في الريف الغربي للمحافظة، معظمها مزروع بالقمح، ما أخرج قرابة 10 في المئة تقريباً من الإنتاج خارج الغلة المتوقعة».