دخلت السوق السوريّة مرحلة أوضح معالمها «تجفيف السيولة». هي مشكلة تشمل السوقين السورية واللبنانية وستتمدد لتصل ذروتها بُعيد شهر رمضان. ثمّة سؤالان ينبغي طرحهما لدى الحديث عن هذه المرحلة: هل جاء «التجفيف» بصورة عفوية أم خُطّط له؟ وهل يمكن المواطن الاستفادة من ثُغَر في هذه المرحلة؟ كانت بدايات «التجفيف» مع قرار تجميد الحوالات الخارجيّة الذي أصدره المصرف المركزي (في تشرين الثاني الماضي) على خلفيّة اعتقاد إدارته أنّ تحجيم قيمة المبالغ سيضر بالمضاربين في السوق السوداء، وقد يخفف السيولة التي يستخدمونها للمضاربة. لكن على أرض الواقع لم يكن المضاربون أصلاً في حاجة حوالات لا تتجاوز قيمة واحدتها حاجز الـ500 دولار شهرياً كي يستمروا بالمضاربة. بدأ السوريون الذين يعتمدون على حوالات أبنائهم لمواجهة تضخم الأسعار، بالاستدانة (علاوةً على ما يقبضونه من الحوالات المُحجمة) ليغطوا تكاليف معيشتهم. أدّى ذلك إلى تراكم تدهورٍ مالي لدى الفئة الفقيرة التي تشمل قرابة 80 في المئة من الشعب في الوقت الراهن. أُلغي القرار منذ أكثر من أربعة أشهر، وشهدت العاصمة ومحيطها موجة مضاربات عقاريّة عقب تحرير الغوطة الشرقيّة. ارتفع الطلب العقاري ودغدغ أحلام الشرائح الرازحة تحت الضغط المالي، وبدأ الناس برفع أسعار أي شيء يملكونه، في ظل احتدام أزمة السيولة الراهنة، أملاً بسحب بعض السيولة. لكنّ موجة المضاربات بدت عابرةً، ولم تسهم إلا في رفع الأسعار من دون بيوعات حقيقيّة، فتفاقمت حالة الجمود المالي. كان تجفيف السيولة يهدف في أحد وجوهه إلى الضغط على التجّار في سبيل تخفيف الأسعار، لكنّ فتح الحوالات التجاريّة من دون سقف والسماح بقبضها بالدولار عنى أنّ السيولة لم تجفَّف إلا في أيدي الطبقة الفقيرة، والطبقة «المتوسطة العليا» التي عادة ما تكون مُشغّل الطبقة الفقيرة ومحرك أعمالها وأسواقها. وكنتيجة لتطوّرات السوق العقارية وتقلّبات سعر الصرف، حرصت هذه الطبقة على التمسّك بما تملكه من قطع أجنبي، وراح معظم أفرادها يخففون نفقاتهم بالليرة السورية بما يتناسب مع الحد الأدنى لمصاريفهم الأساسيّة. أما الطبقة التجارية العليا (المتحكم الحقيقي بالسوق)، فلم تتأثر بموجة الانكماش، وصرفت تركيزها إلى تحسين مبيعاتها للسوق العراقيّة الأكثر ابتلاعاً للمنتجات السورية أو الصينية العابرة لسوريا.
شهدت دمشق ومحيطها موجة مضاربات عقاريّة عقب تحرير الغوطة الشرقيّة


من المتوقع أن يحمل شهر رمضان معه زيادة في الضغوطات الاقتصاديّة. الصبر وخفض النفقات الاستهلاكية (خاصة الإنفاق على الطعام المتوقع زيادة استهلاكه في رمضان وارتفاع أسعاره باطّراد) هو الحل المؤقت الوحيد، بالإضافة إلى استجداء مصادر دخل متعددة بديلة. عادة ما تمتد أزمات تجفيف السيولة بنوعيها المقصود وغير المقصود فترة زمنية لا تتعدى سنة من دورة رأس المال وتسمى «الانكماش التضخمي». هذه المرحلة ستؤثر حتماً بعد فترة وجيزة بأسعار العقار والسيارات من ناحية، وستؤدي حتماً إلى زيادة التهريب من ناحية أخرى. من المألوف ظهور مرحلة «الانكماش التضخمي» في نهايات الحرب الاقتصادية في بلدان النزاع، وتفلح فيها الفئات الأكثر فطنة من الشعب في اقتناص بعض الفرص البسيطة التي تؤدي إلى ثراء غير متوقع لحظة نهاية الحرب الاقتصادية. ثمة عوامل ميدانيّة تعِد بانفراجةٍ اقتصادية حتميّة بعد اكتمال تحرير محيط العاصمة وأريافها كاملة، معطوفاً على تحرير حلب (قلب سوريا الاقتصادي) وفتح طريق حرستا عصب دمشق الاقتصادي.
أفضل الأوقات لشراء عقار أو سيارة تلك التي تلي رمضان، ولا سيّما إذا ما فطنت الحكومة إلى ضرورة منح تسهيلات وقروض. من بين الحلول التي يمكن أن تلجأ الحكومة إليها أيضاً رفع سعر الفائدة على الودائع البنكيّة، وتحرير وتسهيل عمليات فتح حسابات بنكية بالعملة الوطنية والعملة الصعبة، إضافة إلى زيادة للرواتب أو منحٍ نقدية. وإذا لم تصدر قراراتٌ فجائية من نمط «حقول التجارب الاقتصادية» التي سادت خلال سنوات الحرب، فإنّ الأمل قائم باقتناص الطبقات الاقتصاديّة الأدنى فرصاً للكسب القانوني والقدرة على التأثير في السوق (تحريكاً أو تجميداً).