في منطقة مخيّم الوافدين على أطراف العاصمة دمشق، ينصرف طلّاب المدرسة الوحيدة المتاخمة لخطوط النار على حدود مدينة دوما، يمضي أطفال المرحلة الابتدائية بثياب قديمة غير موحدة، ويتبعثرون في المنازل المجاورة التي أكلت منها قذائف الهاون أكثر ممّا أكلت الأرض من أقدام الأطفال.

قبل ساعات من إتمام الاتفاق بين الحكومة السورية وفصيل «جيش الإسلام»، كانت المدفعيّة تدوي بقوّة موجّهة قذائفها نحو غوطة دمشق، فيما كان بعض الإعلاميين يتجمّعون لتصوير خروج حالات صحيّة حرجة من داخل الغوطة.
يضحكُ ياسين عمران (7 سنوات) حين يشاهد أحد الصحافيين وقد وضع كفّيه على أذنيه عقب خروج قذيفة مدفعيّة، ويشيرُ بيده ليلفت انتباه أصدقائه إلى ردّ فعل الصحافي. يقول الطفل: «لا أدري لماذا يخاف هذا الرجل، هذه القذيفة صادرة (بمعنى أنها متّجهة نحو الطرف الآخر)، وليست واردة (بمعنى أنها ليست قذيفة هاون انفجرت في المكان)».
تستمرّ المدفعيّة بالصراخ على طريقتها، ويستمرّ ياسين بالسير نحو منزله، لكن ردود فعل الصحافي تبدو في المرات اللاحقة أكثر اتزاناً. يشرحُ الطفل الذي وصل إلى الصفّ الثاني من مرحلة التعليم الأساسيّ بثقة أنّ «صوت المدفعيّة يختلفُ عن صوت قذائف الهاون، الهاون يرافقه ضغط وصوت الدويّ يكون أعلى، لكن صوت راجمة الصواريخ يعلو على كل الأصوات الأخرى، وتهتزّ الشبابيك حين تبدأ بالعمل»، يتابع من دون أن ترمش عيناه لقذائف المدفعية المتلاحقة، قائلاً: «أبي يخبر أمّي دائماً أن القذيفة التي نسمعها لا تقتلنا».

ترك غيّاث المدرسة قبل عامين، أما أنيس فلم يدخلها أصلاً


يجرّ الطفل قدميه على الأرض أثناء سيره، مُصدراً الغبار، قبل أن يصل إلى منزله بعد دقائق من المشي. تفتحُ والدته الباب، وتطلبُ منه التوجّه نحو غرفته مباشرة، قبل أن تباشر بواجب ضيافة الصحافيين الفضوليين الذين لحقوا ياسين بعد أن جذبهم بشخصيته التي بدت أكبر من عمرها.
تزوّجت فاتنة في عام 2010، وأنجبت طفلها الوحيد ياسين في العام التالي، لكن الحرب نمت وترعرعت كالأخت غير الشقيقة لـ«الطفل الكبير»، بعد أن بدأت ملامح الأزمة السورية تتفتّق في آذار من عام 2011، ملامح ما كانت لتمرّ من دون أن تترك أثرها على جسد ياسين وفي سلوكه.
تشرح الوالدة الشابة: «كنّا نقطنُ في بلدة النشابيّة، ونزحنا من منطقة إلى أخرى، حتّى استقرّ بنا الحال في مخيم الوافدين أخيراً». تخبرنا أم ياسين بأنها لا تستصعبُ أسئلة ابنها عن «الأوضاع»، وعن سبب تنقّلهم الدائم، تقول له: «في حرب، بس بكرا منرجع». وتضيف: «يدرك ياسين جيداً أننا في حالة حرب، ويعرف من نظرة عيوني إذا ما كنت خائفة أو مطمئنة، لقد اعتاد الأصوات الصادرة عن كل أنواع الأسلحة، وصار ينبطح تلقائياً إذا ما انفجرت قذيفة قريبة منه». تصمت لحظات، ثم تختم بالقول: «إنه جيل الحرب».

اطلب العلم... في الطابق السفلي
يترجّل غياث (13 عاماً) عن درّاجته الهوائية وسط بلدة عربين في الغوطة الشرقيّة، ينتظرُ أخاه الأصغر أنيس تحت ظلّ بقايا بناء مدمّر. يصل أنيس (8 سنوات، اسم مستعار) بعد أن وضع على ظهره كيساً مليئاً بالفول، اشتراه للتو من إحدى البسطات التي فتحت حديثاً بعد سيطرة الجيش السوري على البلدة.
ترك غياث المدرسة قبل عامين، أما أنيس فلم يدخلها أصلاً. الطفل الذي بدت على ذراعيه بقايا جراح خفيفة، لا يجيد القراءة ولا الكتابة، بعد أن ظلّ خارج أسوار المدرسة في خلال فترة وجوده مع عائلته في الغوطة الشرقيّة. يخجلُ حين نسأله عن القراءة والكتابة، ويقول: «نعم»، لكنّه يتلكّأ في قراءة كلمات بسيطة كانت على غلاف علبة عصير، ثم يُقرّ: «في الحقيقة، أنا لا أعرف القراءة، لكن أحبّ أن أتعلّم». حُرم أنيس، كما المئات من أبناء الغوطة، التعليم الذي ناله أقرانه في مناطق سيطرة الحكومة، إلا أن المعلمة وفاء دياب التي تقطنُ في مدينة عربين تقول: «كنّا نجمع الأطفال في أحد الأقبية، ونحاول أن نعلّمهم ثلاث مواد رئيسية هي اللغة العربية والرياضيات واللغة الإنكليزية، لكنّ الأوضاع الصعبة كانت تجبر الطلاب على التغيّب كثيراً». تعترفُ وفاء ابنة بلدة مسرابا والنازحة إلى عربين بالتقصير في النواحي التعليمية، لكنّها تقول: «عملنا يلي علينا، لكنّ جيلاً كاملاً يحتاج لإعادة التأهيل والتدريس».
تقودنا وفاء (28 عاماً) إلى داخل أحد الأبنية، يبدو مدخله نظيفاً، لكنّ الطريق إلى الطابق السفلي محفوف بالظلام، قبل أن تنيره بمصباح صغير في يدها، وتشرح بصوت متردّد: «من هذه الجهة، لا بل من هذه الجهة كان صف الطلاب، وضعنا لوحاً خشبياً على الحائط، وكانوا يجلسون على فُرُش، هنا المكان أكثر أماناً، قد لا تصله القذائف، لكن تصله أصوات الانفجارات بكل تأكيد».
على مسير عشرة دقائق بالسيارة من عربين، يصدحُ أطفال مدرسة خاصّة في حيّ التجارة، يغنّون أغنية باللغة الفرنسية يرافقها صوت موسيقى يصدحُ من مسجّل. يجلس طوني بلباس أنيق ونظيف، يجاوره صديقه مروان (7 سنوات)، كلاهما يقطنُ في حيّ التجارة المجاور لخطوط النار على تخوم حي جوبر. يتبادلان الحديث عن حفلة أعدّتها المدرسة «بمناسبة انتهاء خطر قذائف الهاون». يعبّر طوني عن فرحه وينقلُ ما سمعه عن والدته، قائلاً: «أخبرتني والدتي أن عليّ الذهاب يومياً إلى المدرسة، فلا خطر بعد الآن».
يرمّم بعض العمّال سقفاً مجاوراً، ويُصلحون كل الزجاج المكسَّر للمرة الأخيرة، بعد أن سقطت عدة قذائف في الجوار خلال الشهر الماضي، قبل أن يكتمل نصابُ اتفاق الغوطة، ويهدأ روع المعارك. تقول سانيا صوّان، مدرّسة الصف: «كنّا نحاول جاهدين أن نعزلهم عن الحرب، لكنّ الحرب كانت تقتحمُ كل تفاصيلنا، جلّ ما نفعله حين نسمع أصوات القذائف، أن نضمّهم ونغنّي لهم، لكن أحياناً أنا أكون خائفة للغاية وأحتاج من يضمّني».
تفتخرُ سونيا بأنها لم تغب عن المدرسة إلا في خلال الشهر الأخير حين ازدادت أعداد القذائف، وتقول: «هؤلاء الطلاب محظوظون، وأنا فخورة بهم، فهم يحظون بتدريس جيّد رغم كل الظروف، ويتعلّمون الإنكليزية والفرنسية، بالإضافة إلى العربية».
زُيّنت المدرسةُ بالبالونات الملوّنة والرسوم الكرتونية، لكنّ أحد البالونات انفجر تلقائياً. يبكي أحد الأطفال بشدّة ويقول: «قذيفة... قذيفة...». تهرع سونيا إليه لتضمّه وتطمئنه، وتتمتم: «نحتاج الكثير كي ننسيهم هول الحرب».