بسقوط جنديرس تُفتح الطريق نحو مدينة عفرين أمام الجيش التركي لاحتلال المدينة السورية الكردية شمال حلب. الجيش الرابع في «حلف شمال الأطلسي»، وبتوافق روسي جواً وبراً، يضع منذ أمس عفرين في دائرة شبه مغلقة قطرها عشرون كيلومتراً بعد دخوله جنديرس، جنوباً، وشيخ الحديد في الجنوب الغربي، وشران في الشمال الشرقي.


فتحة من 12 كيلومتراً في أسفل الدائرة جنوباً، لا تزال تتّسع لعبور التعزيزات القادمة من معبر زيارة، شمال نبل والزهراء، تحت أنظار اللجان الشعبية في البلدتين، اللتين ساندتا قتال الأكراد خلال الأسابيع الماضية، قبل أن تنهار تدريجياً خطوط الدفاع الأولى حول عفرين من أقصى الشمال الشرقي، على طول الشريط المحاذي للواء الإسكندرون، وصولاً إلى الجنوب الغربي. وعلى طول الشريط المحتل، انتزع الاتراك ووحدات المجموعات الرديفة من بقايا مسلحي «الجيش الحر» ممراً يصل معقلها الأخير شمال سوريا في جرابلس، مروراً بغرب حلب، حتى معاقلها في شمال إدلب. وهو أحد أهداف العملية، ولكن ليس أهمّها على الإطلاق.
الهدف الذي أعلنه الأتراك منذ أشهر هو تحويل الممر، وعفرين، إلى حزام أمني خبروه في قتالهم «حزب العمال الكردستاني» في العراق، وعلى مشارف قاعدة عملياته الأشهر في جبل قنديل. الجبل العراقي الذي حوله الأكراد إلى معقل لعمليات ممتدة منذ التسعينيات في قلب تركيا، هو الهاجس الذي يجعل من عفرين، وأكثر من 600 كيلومتر من الشريط الحدودي السوري ــ التركي «قنديل الثاني». وبتقريب الخريطة السورية، وعفرين و«روج آفا» ومآلاتها إلى بؤرة العين التركية، لم يقترب المشروع الكردي، منذ نهضة الوطنية الكردية بصيغتها الأوجلانية في الثمانينيات، من تحقيق قاعدة حقيقية وجدية لكيان كردي كما اليوم. وهي واقعة تهدد من منظور النخب السياسية في أنقرة الوحدة الترابية للدولة التركية. لم تستسغ النخب العسكرية والسياسية التركية قراءات عبدالله أوجلان، سجينها في جزيرة إيمرلي منذ التسعينيات، واكتشافه في عزلة زنزانته، موراي بوكشين، الفيلسوف الفوضوي الأميركي. واستنفرتها أكثر ممّا طمأنتها، التغيرات التي طرأت على خطاب أوجلان، وحزبه، وابتعاده عن اللغة القومية، وتبنّيه لفيدراليات الشعوب الديموقراطية. من سوء حظ الأوجلانية أيضاً أن العداء لها وللمشروع الكردي لا يزال العروة الوثقى لأطراف الائتلاف الذي يحكم أنقرة، من «حزب العدالة والتنمية» إلى أجنحة الحركة القومية التركية كافة. وهو عداء يستثير تعبئة غير مسبوقة في تركيا، لمسيرات مؤيدة لـ«غصن الزيتون» التركي في عفرين. استفاد رجب طيب أردوغان من إقبال غربي ــ روسي على خطب ودّه في سياق جيواستراتيجي مؤات لعملية ضد الأكراد في عفرين. فلاديمير بوتين اتخذ قراراً بالتقارب مع تركيا لاعتبارات تتعلق بفك طوق حلف الناتو حول روسيا، انطلاقاً من جناحه الجنوبي أولاً، والتقدم نحو تحقيق مشروع شبكة «السيل التركي» لأنابيب الغاز والالتفاف على أوروبا.
كذلك فإن روسيا العائدة إلى الشرق الأوسط لن ترفض مصافحة اليد الممدودة من أنقرة، لموازنة حلفها مع إيران، وهو ما أدى إلى شراكة فعلية بين البلدين. ظهر الروس كشريك في عملية عفرين، يفتحون ويغلقون المجال الجوي للقاذفات التركية في حربها ضد الأكراد. ويعدّد مسؤول غربي التقى مسؤولين روساً في تركيا، مؤخراً، أن ثلاثة أسباب إضافية دفعت الرئيس بوتين إلى تبنّي العملية التركية. أوّلها، أن الأكراد واصلوا التعاون مع الأميركيين بعد هزيمة «داعش» شرق الفرات، رغم تعهّد بوقفه. وثانيها، أن الأكراد أخلّوا بتفاهم أقامه سيبان حمو، قائد القوات الكردية، خلال لقاء في 17 تشرين الأول الماضي، في موسكو، مع وزير الدفاع سيرغي شويغو، ورئيس الأركان فاليري غيراسيموف، ومساعد وزير الخارجية الروسي لشؤون الشرق الأوسط ميخائيل بوغدانوف، قضى بأن تدخل الشرطة العسكرية الروسية إلى حقول العمر و«كونوكو» شرق دير الزور لإدارتها. وقضى الاتفاق أيضاً أن تقبل الإدارة الكردية بتسليم رجل أعمال روسي قريب من الرئيس بوتين إدارة نقل 75 ألف برميل من نفط حقول الرميلان إلى كردستان العراق، وتنشيط عمل 50 في المئة من آبار الرميلان. ويتبادل الروس والأكراد الاتهامات حول من حنث بوعوده. فالأكراد يتّهمون الروس بالحنث بالاتفاق تحت ضغوط تركية، فيما يقول الروس إن الأكراد تراجعوا عن الاتفاق تحت ضغط أميركي. وثالثها، رفضت «وحدات حماية الشعب» العروض التي قدمت، سورياً وروسياً، لتفادي معركة عفرين، بدخول الجيش السوري إليها وإخلائهم المنطقة. كان العرض نظير التخلي كردياً عن المنطقة، عن أحد أعمدة المشروع الكردي الذي كانت ذراعه ستمتد، كما يهجس الأتراك في كوابيسهم، إلى المتوسط ويصبح جنين «العمال الكردستاني» في سوريا كياناً قابلاً للحياة. كما كان العرض أيضاً نظير التخلي عن فرصة تاريخية لمنازلة فوق الأرض السورية التي يعرفها محاربو جبل قنديل الأول جيداً، واستنزاف الأتراك في سوريا، وتحويلها إلى فخ.
وبدا أيضاً إرسال قوات دفاع شعبية، طلقة أخيرة في آمال الأكراد لجذب دمشق نحو خنادقها في مواجهة تركيا. فمن بين الأربعة آلاف مقاتل الذين اعتقد الأكراد أن دمشق سترسلهم، لم يصل أكثر من 300، وقتل ما لا يقل عن 64 منهم في ضربة جوية على معسكر كفرجنة شمال شرق عفرين. ويذهب مسؤول كردي إلى القول، في حديث إلى «الأخبار»: «وعدت دمشق بشبكة دفاع جوي في ريف حلب الغربي وإدلب الشرقي للتصدي للمقاتلات التركية»، وهو ما لم يحصل أيضاً. وبحسب المسؤول الكردي، مارس الروس ضغوطاً كبيرة على دمشق لمنعها من الدخول إلى عفرين.
ورغم أن معركة عفرين المدينة لا تزال بعيدة إلى حدّ استبعاد ألا تضع أوزارها قبل أيار المقبل في نبوءة وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو، أمس، وليس قبل أن تواجه معضلة محاصرة أكثر من نصف مليون مدني ونازح من القرى التي اجتاحها الأتراك وتجمعوا في المدينة، منعت حواجز «وحدات حماية الشعب» الكردية خروجهم منها، على ما قاله لـ«الأخبار» مصدر في المدينة، «على أن إخلائهم قد يكون قريباً من المدينة لنتابع القتال في حرب العصابات مع الغزاة الترك»، على ما قاله مسؤول كردي لـ«الأخبار». إلا أن خواتيم معركة عفرين، الأكبر في معارك المواجهة التركية الكردية في سوريا، كتبت منذ انطلاقها قصة حرب معلنة، لم يدركها الأكراد إلا متأخرين، في وجه شبه إجماع ضمّ إلى أعدائهم جنوب الأناضول، سوريين وإيرانيين وروساً، وحتى الأميركيين. الأميركيون الذين يحاولون منع تركيا الحليف التاريخي من الارتماء في أحضان روسيا، تفهّموا المطالب الأمنية التركية في عفرين. ولم يكن الخيار صعباً بين الجيش الرابع «الأطلسي»، و«وحدات حماية الشعب» الكردية. الأميركيون أوضحوا للأكراد منذ البداية أنهم «غير معنيين بمعاركهم غرب الفرات أو بأي أرض يقفون عليها، لم يحرروها معاً»، كما قال خبير غربي يعمل في المنطقة، لكي يتولّوا إلى جانبهم حمايتها من أي هجوم معاد. وهي الصيغة التي غسل الأميركيون بواسطتها أيديهم من أكراد غرب الفرات للتركيز على شرقه، والتي تجعل من الآن فصاعداً المشروع الكردي برمّته حبيس المظلة الأميركية، وتحت حمايتها في مدّها، وجزرها.