«اكتشفت أنني لا أملك حق الانتخاب إلا بعد مرور خمس سنوات من تاريخ منحي الجنسية ولا أملك الحق بأي منصب حكومي إلا بعد مرور عشر سنوات (...) يا فرحتي بالرقم القومي (…) حقي منتزع مني منذ ولادتي على هذه الأرض».

هكذا، صرح المخرج محمد خان على صفحته على «فايسبوك» قبل أيام قليلة من موعد الانتخابات الرئاسية الأخيرة. كتبها بـ»غضب» من صبر دهراً على حقه وعندما أخذه، اكتشف أن ممارسته مشروطة. كان في بال المولود لأم مصرية وأب باكستاني أنه بمجرد الحصول على جنسية البلد الذي ولد فيه، يستطيع أن يمارس حقوقه كأي مواطن مصري. ظنّ ذلك، لكنه لم يوفق، فما تخبئه له البيروقراطية المصرية كان أكبر من أحلامه في بلد أمه.
أحدث تصريح خان مفاجأة لمصريين كثر يعرفون خان «مصرياً»، إذ لم يخطر في بالهم أن مخرج روائع مثل الحَريف ومستر كاراتيه وأحلام هند وكاميليا وخرج ولم يعد، أن يكون غير ذلك!

خان واحد من بين قلة في تاريخ السينما المصرية الذين استطاعوا نقل واقع الشخصية المصرية باختلاف الزمن إلى الشاشة. وهو صاحب أشهر أربعة أفلام صنفت ضمن أهم مئة فيلم مصري، ساهم في تشكيل وعي جيل كامل.

إنه واحد من بين قلة في تاريخ السينما المصرية الذين استطاعوا نقل واقع الشخصية المصرية باختلاف الزمن إلى الشاشة
فأفلام خان ورفاقه (داوود عبد السيد وخيري بشارة وعاطف الطيب وغيرهم) كانت بمثابة سفينة نوح في ثمانينيات القرن الماضي، حين كان إنتاج السينما في مصر غارق بأفلام المقاولات. أما الأفلام الجادة البعيدة من الابتذال فكانت عُملة نادرة في ذلك الوقت، وحتى الأفلام جيدة الصنع كانت لا تعبر عن الواقع المصري ومشاكله.
السّمة المميزة لأفلام خان هي طابعها الواقعي. والدليل أبطاله الذين كانوا أنموذجاً للشخصية المصرية بتنوعها، فبين القروي النازح إلى العاصمة الذي يهوى رياضة الكاراتيه وأفلام بروس لي (مستر كاراتيه 1992) وبين «الصنايعي» المتمرد وعاشق كرة القدم (الحَريف 1983)، ابتدع خان رؤية جديدة في تناول الشخصيات في السينما المصرية، وهي كسر النموذج الأوحد والتنميط الدرامي الجامد. حتى بطلات أفلامه خرجن عن خط التنميط والمباشرة التي وقع في فخها كثير من مخرجي السينما المصرية، فهند وكاميليا العاملتان اللتان بحثتا عن متع الحياة البسيطة في ظل الظروف المعيشية الصعبة واستغلال من حولهم لهما (أحلام هند وكامليا 1988). وهما بذلك تختلفان أيضاً عن جومانا (بائعة الملابس) وياسمين (الكوافيرة) الباحثتين عن الحب (بنات وسط البلد 2005).
حصول خان على الجنسية لم يكن سوى تصديق رسمي على «مصريته»، فعلى عكس الدولة المصرية وجبروت بيروقراطيتها، لا يحتاج صاحب الروائع لأوراق رسمية ورقم قومي كي يكون مصرياً. وكذلك الذين قبله، من مثل نجيب الريحاني وبيرم التونسي وفؤاد حداد وغيرهم الكثير ممن أثروا الثقافة والفن في مصر، وساهموا في إضفاء طابع مميز عليها. لا يمكن لأحد أن ينكر مصريتهم أو تأثيرهم في وعي المصريين وثقافتهم إلى الآن، حتى وإن عاش معظمهم فترة طويلة من دون الجنسية رسمياً.