عندما حزمت عائلة أبو فراس أمتعتها لم تكن تعلم أن الرحلة ستطول: سنتان بلا سوريا حتى الآن. بدأت الرحلة من دمشق إلى بيروت وكمعظم رحلات السوريين المهاجرين كانت الوجهة التالية هي القاهرة، العاصمة التي داعبت مشاعر أبو فراس، الناصري السابق.


في نيسان 2012، حط اللاجئون بمدينة السادس من أكتوبر التي لجأ إليها عدد كبير من السوريين. من الناحية الجغرافية تبعد «6 أوكتوبر» عن مركز القاهرة نحو 30 كيلومتراً، وربما لذلك اختارها عدد كبير من السوريين، لبعدها عن ازدحام العاصمة التي يصعب على أهلها مجاراة العيش فيها. وهي مدينة حديثة الأبنية تضم عدداً من الجامعات وقد اعتادت على استقبال الطلاب العرب. لم يتوجه السوريّون إلى السادس من أكتوبر وحدها، لكن ثمة من شبهها بمخيم اليرموك في دمشق. لكن ثمة آخرون يرفضون هذا التشبيه، إذ يؤكدون أن السوريين مستأجرين ولا منة لمصر عليهم، من دون أن يعني ذلك طبعاً، أن للدولة السوريّة منة على الفلسطينيين.
يومها، فكرت العائلة أنها «مسألة أشهر ونعود». حاول خلالها فراس، الابن البكر، أن يستكشف البلاد التي أحبها ولم يستطع زيارتها من قبل، تنقل بين مدن عدة، ووصل إلى السد العالي الذي سمع عنه ولم يعرفه. بدأ بالعمل محاسباً في أحد المطاعم السورية المنتشرة بكثرة في أماكن وجود السوريين. أحبت العائلة مصر ولكن الأخيرة شيء وسوريا شيء. والمجتمعان مختلفان، فلا أصدقاء له بعد في سوريا، كما يتذمر من صداقات والده مع الناصريين. مردود المحاسبة قليل والتعب طويل، أما الانتظار فأطول.
أما ريما، الصبية الوحيدة في عائلة أبو فراس، والتي دخلت عامها الواحد والعشرين، فلم تكمل دراسة التربية في دمشق. وهي تعلّم اليوم تلامذة في المنزل لتساعد قليلاً في مصاريف العائلة. تقول إنها تحن إلى مجتمعها الصغير في الشام وأصدقائها. رفضت الارتباط بشباب وكبار سن مصريين، «استدلوا» عليها من جارتهم «أم فهمي». والأخيرة تخشى أن يتزوج زوجها مرةً ثانية وتكون زوجته الجديدة سوريّة. تزور «أم فهمي» عائلة أبو فراس يومياً وتردد يومياً الجملة ذاتها: «شايفين الأحوال ومشفقين على الحال»، ما يثير غضب ريما، التي لا تنتظر عطف أحد. وهي محقة في ذلك. وحدهما، الصغيران، محمد وأحمد، المقيمان في المرحلة الابتدائية، اندمجا بسهولة أكثر من المتوقع. بات لديهما أصدقاء مصريون، ولكن مشكلتهما تكمن في صعوبة فهم اللهجة المصرية، ومعاناتهما في إيصال أفكارهما بلهجتهما. محمد في الابتدائي الخامس، يقول إن معاملة أصدقائه المصريين تغيرت في المرحلة الأخيرة. والمفارقة أنها كانت أفضل بكثير. اختفت الزيارات المتبادلة فجأة.
أم فراس لا تحب مصر ولا ترغب بالبقاء فيها. دمشق هي المدينة «الحنونة»، بينما القاهرة «كئيبة». وطبعاً، اللوم كله على أبو فراس. الحالم الذي بدأ يكتشف «وهم الناصريّة». لا يفهم الرجل اليوم كيف توحدت مصر وسوريا والعادات مختلفة، ونتحدث عن مجتمعين لا عن مجتمع واحد. لا يمكن محاسبة التاريخ، ليس هذا وقتاً مناسباً. المصريّون تغيّروا بعد «30 يونيو» الفائت. يسمّون الأشهر هكذا في «أم الدنيا»، بينما يسمّيها السوريون بأسمائها العربيّة. يحبّون أن مصر عربيّة ولكن، ليس هذا وقتاً مناسباً. الوقت للعودة إلى دمشق فقط.