القاهرة | من ركام 100 يوم مرّت على حكم الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، خرجت حرية الصحافة والتعبير «كأنّها شيء من الماضي». عبارة اتخذت منها «الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان» أخيراً عنواناً لتقريرها التفصيلي (مؤلف من تسع صفحات) عن واقع حرية التعبير خلال هذه الفترة.


عدا مقاومة قليلة تبديها بعض المجموعات المطالبة بالديموقراطية وبعض الكتّاب والصحافيين، أكد التقرير المذكور أنّ كلّ أنواع الانتهاكات باتت تمارس في المحروسة بمنأى عن العقاب، إذ بلغ عدد الصحافيين والمبدعين المعتقلين والمحكومين 19 شخصاً. عدد يعتبر الأكبر منذ اعتقالات أيلول (سبتمبر) عام 1981 التي جرت في عهد الرئيس الراحل أنور السادات. غير أنّ «التطوّر الوحيد الذي شهده حكم السيسي، حتى الآن، هو غياب ظاهرة قتل الصحافيين حتى وقت صدور التقرير، وهو أكثر الانتهاكات التي شهدها عهد الرئيس المؤقت عدلي منصور الذي سجّل سقوط 9 صحافيين.
علاوة على تراجع حرية الصحافة والتعبير، بات الاعتداء الخشن على أهل الإعلام سمة مميزة للأيام المئة، فآخر تقرير لمنظمة «هيومان رايتس ووتش» أوضح أنّ «الحملة على الصحافيين زادت بشكل كبير في مصر. وبات هؤلاء يواجهون خطر الاعتقال، والمحاكمات العسكرية، والتوقيف عن العمل وتهديدات بالقتل». ووفقاً لتقرير «الشبكة العربية»، يقبع نحو 19 صحافياً مصرياً وأجنبياً وكاتباً في السجن، هم: محمود عبد الشكور أبوزيد «شوكان»، محمد فاضل فهمي، بيتر جريست، باهر غراب، محمود عبد النبي، أيمن حاتم عبد النور، إسلام الحمصي، عمر عبد المقصود، أحمد دومة (ناشط وشاعر)، محمد عادل، محمد العادلي، سامح مصطفى، محمد فوزي، عمر حاذق، مجدي حسين، هاني صلاح الدين، أحمد جمال زيادة، محمود نصر وعبد الله الفخراني.
أما الأبرز في الفترة المذكورة من حكم السيسي، فهو إعلان الإعلامي الساخر باسم يوسف وقف برنامجه الشهير «البرنامج» الذي كان يبث على «mbc مصر»، بضغوط لا تُخطئها عين من جانب السلطة على القناة. خطوة، دفعت يوسف إلى قول عبر تويتر: «خايفين من إيه... وليه... أنا مش قادر أدّيكم»، في إشارة إلى عبارة تردّدت على لسان السيسي أكثر من مرّة.
وفي ما يتعلق بالخط التحريري لمعظم الصحف المصرية ــ القومية والخاصة ــ يمكن القول إنّها متخندقة تماماً مع السلطة. حالة تلخّصها جريدة «اليوم السابع» (يومية) التي خرجت علينا الأسبوع الماضي بصورة كبيرة للرئيس المصري الحالي على صدر صفحتها الأولى، مع مانشيت «قرآني»: «يُعْجِبُ الزُّرّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الكُفّارَ»، في إشارة إلى الرواج الشعبي لشهادات مشروع تنمية قناة السويس الجديدة.
وبالعودة إلى حال حرية الصحافة في الأيام المئة الأولى من حكم الرئيس الإخواني السابق محمد مرسي، يظهر أنّ الأخير كان يرفع شعار «لا نعادي حرية الصحافة، ولا نكترث بها». وهنا يبرز حادث اغتيال الصحافي الحسيني أبو ضيف على أيدي متهمين محسوبين على الإخوان المسلمين في 12 كانون الأوّل (ديسمبر) 2012، ثم حرق مقرّ صحيفة «الوفد» من جانب إسلاميين متطرفين، من دون أن ننسى تهديد ملتحين لـ«نقابة الصحافيين»، حاملين سكاكين وأسلحة بيضاء، علاوة على حصار مدينة الإنتاج الإعلامي مراراً.
وفي مكتب النائب العام، حيث تموت عادةً البلاغات في الأدراج، كان يتم التحقيق فوراً مع أي صحافي أو صاحب رأي ينتقد الرئيس محمد مرسي. حتى إنّ مرسي نفسه تقدم ببلاغات ضد باسم يوسف اتهمه فيها بإهانته، وازدراء الإسلام، قبل أن يسحبها في 11 نيسان (أبريل) 2013، زاعماً أنّه «انتصاراً لحرية الرأي، وتقديراً لدور الصحافة والإعلام»،وفق بيان صادر عن رئاسة الجمهورية.
أيّام الرئيس الإخواني، كانت البلاغات منوّعة، لكن البدعة الأبرز كانت منع نشر مقالات الكتّاب، وخصوصاً في الصحف القومية. الأمثلة كثيرة، لعل أهمها منع مقال الروائي يوسف القعيد «لا سمعاً ولا طاعة» في آب (أغسطس) 2012، إذ تضمّن انتقادات للإخوان، فضلاً عن إلغاء الصفحة الثقافية في جريدة «الجمهورية» على خلفية مقال للشاعرة غادة نبيل بعنوان «الحرية والعدالة... كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان»، ومنع مقال للكاتبة عبلة الرويني، رئيسة تحرير أخبار الأدب سابقاً بسبب اعتراضها على حذف عبارة «أخونة الصحافة» من مقالها الأخير في الصحيفة نفسها.
هكذا، تبدو حرّية التعبير والصحافة الضحية الأبرز منذ يناير 2011 وحتى اليوم!.