في بداية الثمانينيات، حوّلت الشرطة ملاعب كرة القدم إلى سجون صغيرة منعاً لحدوث مشاكل بين الجماهير، إلّا أن هذا التدبير أدى إلى تقلّص عدد المشاهدين لمباريات كرة القدم وأثّر سلباً على المردود المالي للفرق، ما دفع السلطات الأمنية إلى إزالة هذه الحواجز والاعتماد على عنصر الشرطة البشري.


إلا أن حادثتَي احتراق مدرجات ملعب برادفورد سيتي بالكامل في عام 1985 التي راح ضحيتها 56 شخصاً علقوا بين بوابة الخروج المقفلة والنيران المشتعلة على المدرج، وحادثة هيلسبورو، التي راح ضحيتها في عام 1989، 96 مشجعاً، وذلك بعد عملية تدافع خرجت عن السيطرة عند إحدى البوابات أدت إلى طحن جميع المشجعين الذين علقوا خلف المرمى بين البوابة والسياج الحديدي. هاتان الحادثتان دفعتا إلى إحداث ثورة في الإدارة الأمنية للمباريات مع إصدار تقرير تايلور الذي بات يعتمد في معظم أوروبا.

مراحل الإدارة الأمنية

تمرّ الإدارة الأمنية للمباراة بمراحل عدّة، أولاها القرار بالسماح بإقامة المباراة وهو ليس قراراً يتفرّد به وزير أو رئيس اتحاد، وإنما يتم اتخاذه عن طريق المجموعة الاستشارية للسلامة والتوقيع عليه يكون من قبل رئيس المجموعة. وتضم هذه المجموعة أعضاء مختصين من نوادي كرة القدم والشرطة المحلية وفرق الإطفاء والإسعاف وأعضاء من المجلس المحلي أو البلدية.
ويتم اتخاذ القرار في هذه المجموعة وفقاً للعديد من المعطيات، وأبرزها يكون توفر الإسعاف ورجال الإطفاء والشرطة. ويتغير عدد عناصر الشرطة من مباراة إلى أخرى، فيتم تقسيم المباريات إلى فئات بين A و+C. وتكون المباراة من فئة A حين يعتبر معدل وقوع الخطر فيها منخفضاً جداً. أما المباراة من فئة +C فتكون مباراة على درجة عالية من الخطورة مثل مواجهة مانشستر يونايتد ومانشستر سيتي أو باريس سان جيرمان ومرسيليا.


لا يملك لبنان حتى اليوم صورة واضحة في تنظيم أمن الملاعب


ويتم تحديد هذه الفئات وفقاً لعدد الجماهير الذين يحضرون وموعد المباراة في الموسم والتاريخ الأمني لمواجهة الفرق. وعلى هذا الأساس، يُحدد عدد رجال الشرطة الذي يصل إلى 300 في مباراة فئة C وينخفض إلى 10 في مباراة الفئة A.
هذا العدد من رجال الشرطة الذي لا يُعدّ كبيراً لتأمين مباراة يصل عدد جمهورها الى أكثر من 70 ألف متفرج في مباراة من فئة C، لذا يرافقه في المدرجات حوالى 1000 مشرف تنظيمي يختارهم النادي المضيف ويتم تدريبهم من قبل ضباط الأمن، ويحدد منهم مشرف واحد لكل 250 مشجعاً يوجد معهم باستمرار وتكون مهماتهم: توجيه الجماهير أثناء دخولهم وخروجهم من الملعب والسيطرة على تدفقهم إلى مراكز جلوسهم، ومراقبة الأبواب المقفلة أثناء المباراة لمنع دخول أحد إلى الملعب. كذلك عليهم التنسيق مع المسؤولين في غرفة التحكم حيث يتوفر جهاز يقوم بتعداد المتفرجين في كل مدرج لكي لا يتجاوزوا العدد السموح به، والقيام بالإسعافات الأولية في حالات الطوارئ ومساعدة الجمهور على المغادرة السليمة في حال الحريق.

شروط أساسية

شروط أساسية أخرى وضعها تقرير تايلور، وهي تتعلق بوجود كاميرات تلفزيونية قادرة على تصوير مناطق مهمة في الملعب. كذلك يفترض توفّر غرفة تحكم يوجد فيها رئيس المشرفين التنظيميين ويكون على تواصل مع المجموعات الموجودة في الملعب من جهة، ورجال الشرطة من جهة ثانية الذين لا يقومون بالتدخل إلا في حال طلب منهم المشرف التنظيمي ذلك، فهو الذي يملك السلطة الأمنية في أرض الملعب.
اتخاذ القرار بإقامة المباراة والحفاظ على السيطرة الكاملة عليها لا يحدث من دون تعاون الجمهور، لذا يكون المشرفون التنظيميون مقرّبين من جماهير الملعب الذي تقام فيه المباراة ويجيدون الحوار معهم. وتتم توعية الجمهور ليكون متعاوناً وفق قوانين صارمة وتوجب غرامة مالية منها: الوقوف في الأماكن المخصصة للجلوس، واستخدام تعابير عنصرية وشتائم، الدخول إلى الملعب في حالة سكر والتدخين في الأماكن غير المخصصة للجماهير المدخنة.

لبنان في مكانٍ آخر

لا يملك لبنان حتى اليوم صورة واضحة في تنظيم أمن الملاعب، رغم الكثير من المشاكل التي شهدتها في كرة القدم وكرة السلة. هنا، تنطلق المباريات من دون أن يتوفر فيها حضور رجال الإسعاف أو رجال الإطفاء. وفي بعض الأحيان، تنطلق المباريات بغياب قوى الأمن عنها. كذلك فإن القوى الأمنية التي توجد في الملاعب لا تعتبر متخصصة بالإدارة الأمنية للمباريات، وقد ظهر ذلك جلياً في مباراة الرياضي والحكمة التي شهدت عراكاً بين اللاعبين، حيث ساهم دخول قوى الأمن إلى أرض الملعب بأعداد كبيرة وغير منظمة وغير مبررة إلى توتير الأجواء أكثر.
أما النقطة الأهم فهي القرارات العشوائية بالسماح للجمهور بدخول المباريات ومنعه، بحيث تنفرد فيها في أغلب الأحيان الدولة وحدها ممثلة بوزير من دون أي تشاور مع الاتحادات تحت شعار «الضرورات الأمنية». وكثيراً ما يتم إلغاء مثل هذه القرارات بعد أيام على اتخاذها، كما حدث في كرة السلة هذا الموسم أو بعد نصف ساعة كما حدث في العديد من مباريات الدوري اللبناني في كرة القدم، حيث مُنع الجمهور من الدخول مع بداية المباراة ثمّ سُمح له بذلك.
باختصار، تحتاج الرياضة في لبنان إلى أبسط حقوقها وهي أن تتم ممارستها في أجواء أقل ما يُقال عنها إنها آمنة، وهذا ما يحتاج إلى تنظيم أمني كامل يتخلله تعاون من الأندية والاتحادات. لكن كيف يُمكن أن يحدث ذلك وما زال هناك رئيس نادٍ أو عضو في اتحاد يتجاوز القانون والقوى الأمنية ويدخل إلى أرض الملعب ويتوجه إلى حكَم مباراة متهماً إياه بالانحياز.