لا يُقاوِم أبو ابراهيم «ناعوسة» الظهيرة التي اجتاحت عينيه الصغيرتين، ووجهه الذي أتعبته سنوات طويلة أمضاها موظّفاً في مديرية الطيران المدني في مطار بيروت. على المقعد الخشبي في جنينة الصنايع يغفو الرجل لدقائقَ معدودة قبل أن يوقظه صوت طفل يلهو بِالكُرة قريباً منه.


يُخرِج من جيب قميصه المُخطّط قلم حبر أزرق ليمارس هوايته القديمة في لعبة الكلمات المتقاطعة في الجريدة الورقية. «بدنا نقطّع وقت»، يقول ابن السبعين سنة الذي يقرأ الصحيفة بشكل يوميّ لأنه «لازم نعرف شو في أخبار بالكواليس والزواريب». يقرأ «الديار» بشكل شبه دائم، ويطَّلع على صحف أُخرى ويقول إنه لم يعتد بعد على «الأخبار». أبو ابراهيم يرتاد الحديقة «من زمان»، وفي أغلب الأحيان يأتي وحيداً ناشداً الهدوء، وبرأيه «الحديقة صارت أجمل وأكثر تنظيماً بعد إعادة تأهيلها».
«وااااو».. تُعبِّر الفتاة عن دهشتها بنافورة الماء الكبيرة وسط الحديقة. تبدو الأخيرة كعروس تتمختر بزيّها الأبيض وحولها المدعوّون. مدعوّون بلا «كارت عزيمة» إلى مكان عام مجّاني يُعدّ واحداً من بين آخر المساحات الخضراء المتبقيّة في بيروت. تنشُر النافورة رذاذها على البرْكة الدائرية المحاطة بأشجار «الفيكس» المتشابكة، فيما تدعو الفتاة صديقتها لالتقاط «سيلفي» معها و«النافورة خلفها». في الخلف أيضاً تظهر ثلاثة بنايات انعكست صورتها على صفحة المياه وتآلفت حدائقها المعلّقة مع أخضر حديقة الصنائع. في النسخة الجديدة من الحديقة التاريخية التي أُعيد افتتاحها في مثل هذه الأيام من العام الماضي.

أشجار جديدة

تمّ الاحتفاظ بعدد من الأشجار القديمة، فيما زُرع عدد أكبر من الأشجار الحديثة بينها أصناف تُزرع لأول مرة في حدائق لبنان العامة كـ«الباركن سانيو» والـ«جكرندا» و«الإرتيرينا» و«الأكاسيا» وغيرها. أمّا شجرة الزيتون العتيقة تبدو يتيمة وسط أصناف عديدة لا تخلو من الأشجار الصنوبرية التقليدية.
تركض زينب ابنة الأعوام الثلاثة خلف أمّها مُحَاوِلة اللَّحاق بها. تنظر يميناً ويساراً وإلى الخلف كمَن لا يريد أن يفوته مشاهدة كلّ تفصيل. فمُها مفتوح، على سعته، وعيناها تضحكان للناس. يدفع طفل بالـ«سكُوتر» إلى الأمام فيما يركب آخر درّاجته الهوائية متجاوِزاً الممرّات المخصَّصة لها. تنادي المرأة قريبها الصغير بـ«آينشتاينو» ليلحق بأقربائه. لعلّ الاسم دليل على عبقرية مبكّرة لدى الطفل الذي بدت على وجهه إمارات الخجل. «كل الأطفال حلوين في الجنينة»، تقول المرأة التي تتمشّى وعائلتها في الممرّات المُحاطة بمساحات من العشب الأخضر. كلّ الصغار هنا، فقراء وأغنياء وما بين بين، تميّزُهم ثيابهم وتجمعهم ضحكات وجوههم.

الممنوعات

للأطفال، بفئاتهم العمريّة المختلفة، الحصَّة الأكبر من المساحة الإجمالية للحديقة البالغة اثنين وعشرين ألف متر مربّع. ثلاثة ملاعب مخصّصة ومجهّزة بشتّى الألعاب وُضِع أمام مدخل كلّ منها توصيات بالممنوعات تقول إحداها: «يُمنع اللعب ضمن هذه المساحة دون مراقبة من قبل الراشدين». لكن مَن يقرأ للصغار ممنوعاتهم سوى الكبار الذين يبدون تذمّرهم في أحيان كثيرة من بعض الممنوعات العامة في الحديقة؟ «مع ذلك هنا نشعر بالأمان على أولادنا سواء كنّا بقربهم أو في أي مكان آخر من الحديقة»، تقول والدة أحد الأطفال التي تقيم في منطقة طريق الجديدة. على المقعد، قرب منحوتة للفنان بطرس فرحات، يحتضن العاشق فتاته فيقترب منهما أحد رجال الأمن المعنيين بالنظام داخل الحديقة ويوجّه لهما ملاحظة «منعاً لتطوّر الموقف وبناء على التعليمات» على حدّ قوله، فيبدي الشاب احتجاجه على «التدخل بخصوصيات الناس» ويغادر المكان.


الحديقة تحت إشراف البلدية أما الصيانة فهي من صلاحية آزاديا

بعض الزوّار أيضاً يبدون تذمرهم من ما يسمّونه «هيبة مبالغ بها» لـ«شباب الأمن» الذين يتبعون لشركة خاصة، فيما يبرّر هؤلاء الأمر بأن «أيّ تساهل من شأنه أن يؤدّي إلى فوضى في الحديقة».
قرب «حائط المشاهير» الذي ستعلّق عليه تدريجياً صور الشخصيات المكرَّمة، يلعب شابّان عشرينيّان كرة الريشة أمام مرأى عائلة مكوّنة من أب وأم وولدين يأكلان البوظة. في ممرّ المشاة تجرُّ امرأةٌ عجوزاً على كرسيّها المتحرّك وبجانبها في الحوض الموازي للرصيف زهور وورود من أصناف وألوان مختلفة. تحاول أن تقطف واحدة لكنها لا تفعل خشية أن يراها «الزَّلمي» الواقف على بعد أمتار قليلة منها.
تعكس جنينة الصنائع أو «حديقة الرئيس رينيه معوض» المجتمع البيروتي بفئاته العمرية المتعدّدة مضافاً إليه ناس الضواحي. يقول أسعد الرجل الذي يسكن في زقاق البلاط: «وين بدنا نروح يا تسلملي؟ إذا ما عالكورنيش منجي لهون». فيما تلفت نيرمين النازحة من عربين في ريف دمشق إلى أن السوريين معتادون على الحدائق العامة «مو متل عندكن»، لتضيف بسخرية: «الحمدلله هلق راح كل شي!»
تُواصِل الشّمس بسط أشعّتها في فترات بعد الظهر على المساحة الأكبر من الحديقة. الأشجار العالية، على كثرتها، لم تتمدّد بعد بشكل أفقي كاف لبسط ظلّها على الناس. «السبيل الحميدي» لم ينته العمل به بعد، وقد تكفّلت السفارة التركية بعملية تأهيله وترميمه. والسبيل أنشأته في الأصل بلدية بيروت عام 1900 ونُقل من ما كان يعرف بـ«ساحة السور» إلى الحديقة بعدما حلّ مكانه تمثال الرئيس رياض الصلح.
يُزاول عدد قليل من الروّاد رياضة المشي في حديقة الصنائع، فيما يَكثُرُ «هواة النوع» في فترة الصباح ولهم ممرّ خاص. أما المدرّج فتحوّل إلى مكان إضافي للجلوس بانتظار «فعاليات وأنشطة مسرحية» غير واضحة المعالم بعد. تبدي هبة، وهي طالبة جامعية تدرس الحقوق، استياءً بالغاً من وجود مساحات «مزفّتة» في الحديقة مشيرة إلى «أن الزفت يتناقض مع روحية الحديقة في الوقت الذي نحتاج فيه إلى خَضار أكثر».
يستريح عبد الرحمن، وهو عامل نظافة بنغلادشي الجنسية، على العشب الذي يُمنَع الزائرون من الجلوس عليه إلا في حالات الزحمة الاستثنائية. تطلق سميرة، رئيسة الحرس، عند المدخل الرئيسي للحديقة صافراتها كأنّها حكم في مباراة كرة قدم وترمق حارس آخر بأن الوقت المخصّص للدخول شارف على الانتهاء في الحديقة التي تحتضن ناسها يومياً «بين السّابعة والسّابعة».

تكريم للواهبين

تشير الخريطة الموضوعة عند مدخل «حديقة الرئيس رينيه معوض» إلى تاريخ تدشين الحديقة في عام 1907 الذي أعقب وضع حجر الأساس لـ«مكتب الصنائع والتجارة الحميدي» (سراي وزارة الداخلية اليوم ومبنى المكتبة الوطنية) بناء على «فرمان» من السلطان عبد الحميد الثاني عام 1906. شُيّدت الحديقة على مساحة من الأراضي الخاصة والأوقاف الذريّة والأهلية قُدّمت من آل طيّارة وطبّارة والحص وسيّور وعائلات بيروتية أخرى.
يؤكد رئيس البلدية الحالي بلال حمد أن البلدية ستقوم قريباً بتكريم تلك العائلات «تحية لأهلهم وكنوع من إعادة إحياء تاريخ المدينة وإرثها البشري والعمراني». يلفت حمد إلى أنّ الحديقة الحالية هي تحت سلطة وإشراف البلدية، أما عملية الصيانة فهي من صلاحية مؤسسة «آزاديا» التي تولّت عملية ترميم وتأهيل الحديقة. يقول رئيس بلدية بيروت إنه يزور حديقة الصنائع من وقت لآخر «لسماع الناس عن قرب» ويعد بتطبيق «نموذج الصنايع على حديقة السيوفي قريباً».