في حياة العاملين المنتظرين آخر الشهر، يحدث كل شيء على نحوٍ دراماتيكي. يقبضون. يدفعون. يدفعون. يدفعون... ثم ينتهي كل شيء. وعلى هذا الأساس، يختلف شكل إقبال هؤلاء على الحياة باختلاف قيمة رواتبهم، فيصنع كل واحدٍ منهم نمط حياته الخاص، مع الإجماع على حقيقة واحدة: الراتب لا يكفي أحداً.


وقد لا يرجع السبب إلى قيمته، إنما لعدم مواءمة عدد كبير من الناس بين راتبهم ونمط الحياة التي يريدونها، وبسبب الأعباء الهائلة الملقاة على عاتقهم. فبعد شراء المستلزمات الأساسية، تأتي الدفعات الثابتة التي لا بد منها: القروض واشتراكات الكهرباء والمياه والإنترنت والبنزين ووو...
يستعرض هذا الموضوع ثلاث مستويات من الرواتب، في محاولة لعرض نمط حياة الناس استناداً إلى ما تقاضوه. وتجدر الإشارة إلى أن الأسئلة التي طرحناها كانت موحدة للجميع: كم يبلغ راتبك؟ كيف تصرفه؟ وهل يكفيك حتى نهاية الشهر؟

من 500 إلى 700 دولار أميركي: «نص الألف» لا تكفي

مرّت ثمانية أشهر على آخر مرّة زارت فيها سارة قريتها. كان عليها توفير ثمن المواصلات كي «تدوزن» مصروف عائلتها. بالنسبة إليها، كان قرار الانقطاع ضرورياً، فإذا «لم أفعل ذلك، سوف ننقطع من المال قبل نهاية الشهر»، تقول.


تتقاضى ريما ثمنمائة دولار أميركي شهرياً، ومع
ذلك لا تعرف من الراتب سوى "ريحته"، إذ أنها ملزمة بقرضين للسيارة والجامعة الخاصة

سارة، التي تعمل براتب بالكاد يلامس الحد الأدنى للأجور، تسعى وزوجها للعمل على توفير ما أمكن من المال، كي لا يقتحم الفقر حياتهما. لذلك، تجمع راتبها وراتب زوجها اللذين لا يتعديان الـ1200 دولار أميركي لتقسيمها بالتي هي أحسن ما بين «إيجار البيت واشتراكات المياه والكهرباء والإنترنت، التي تبلغ حوالى 500 دولار أميركي يدفعها زوجي، أما المال المتبقي، وهو راتبي، فيذهب للحاجيات الأساسية من أدوية وطعام».
تدّخر الصبية أحياناً بعض المال من أجل تخصيص يوم في الشهر للخروج مع زوجها أو مع رفاقها، وتقول: «نذهب إلى الكورنيش أو إلى مقهى شعبي ونتقاسم الفاتورة في ما بيننا».
يرخي اليأس بثقله على وجه سارة، وهي تحكي عن العالم خارج دائرتها الضيّقة. العالم الذي «يليق بنا عيشه»، ثم تكمل ضاحكة «بس المواصلات غالية»!
«فتّحتيلي جروحاتي»، تقول قمر، حين تغرق في «جردة الحساب». تقسّم راتبها على الدفعات الشهرية اللازمة، بين مصروف البيت وبطاقة تعبئة الهاتف و»غرض من هون وهدية من هون».
تتقاضى قمر 500 دولار أميركي شهرياً، لكنها تحرص على أن يبقى معها مال كافٍ كل شهر كي تذهب إلى السينما أو إلى مقهى المنارة. تقول: «أحبّ البحر والأفلام، لا يكلفني الخروج من أجلهما الكثير، لولا ثمن المواصلات الذي يكسر الظهر». تعيش الشابة هذه الفترة على وعد قطعته لنفسها، أنه حين تنتهي من تقسيط ثمن الهاتف، ستخيط الكثير من الثياب التي صوّرت «موديلاتها» أثناء تجوالها في السوق في حيّ السلّم. «كل شهر يتاح لي أن أشتري غرضاً، ولكن أحياناً أحرم نفسي من حاجياتي بسبب الهدايا»، تختم.

من 750 إلى 1000 دولار أميركي: الحلم الذي يطير

«بقبض 900 دولار، وإجمالاً المعاش كلّو إلي، بس دايماً بيتبخّر قبل آخر الشهر»، تقول نور. لكنها تعترف أن غالبية الأمور التي تصرف لأجلها راتبها، هي «فذلكات». تشتري ثياباً مع نهاية كل شهر وتخرج مع أصدقائها ثلاث مرات على الأقل أسبوعياً، وترتاد مقاهي بيروت في ڤردان والحمرا. توكل أهلها بالدفع عنها في كل ما يتعلق بالطبابة، لكنها تقول إنها جربت مرة الادّخار، «وضلت حياتي ماشية طبيعي. أفكر بشراء سيارة بالمال الذي أنوي ادخاره كي لا أغرق بالدفع لفوائد قروض البنوك».

لا يفكر مهدي بالزواج في الوقت الحالي، فبحسب قوله سيقضي على حياته ما إن يشتري بيتاً
يختلف نمط «الصّرف» لدى ملاك، وهي التي تتقاضى 800 دولار شهرياً، لكنها لا تعرف من الراتب سوى «ريحته». إذ إنها ملزمة بقرضين للسيارة والجامعة الخاصّة، من دون أن ننسى البنزين لأنها تذهب إلى قريتها أسبوعياً. لا تدخر ملاك المال من أجل شيء إلا للسفر، «قد أحرم نفسي ثوباً ولكن لن أحرمها من السفر». ترتاد مقاهي الضاحية بكثرة، «لأنها أوفر، وقد أذهب إلى مقاهي في الجمّيزة والحمرا مرتين في الشهر». تهوى ملاك متابعة النشاطات الثقافية في بيروت، فتقصد المعارض أو المسرحيات التي تعجبها بين فترة وأخرى.
أما محمد، فيدّخر من أجل أيامه السوداء، على حد قوله. فهو يتقاضى من عمله 1000 دولار، يصرف منها 600 دولار ويدّخر ما يبقى. يخرج مرة في الأسبوع، وينوّع بين الأماكن التي يرتادها «مرة بقضي نهاري في الطبيعة مع أصدقائي أو عائلتي، ومرة بقصد جعيتا أو حاريصا أو عنجر». يحبّ الأماكن الأثرية ومطاعم الجبل المطلّة على بيروت، ويعلّق: «بيروت أحلى من فوق وأقل كلفة». لا يجد أزمة في ثمن البنزين، «أملك سيارة هوندا ثمانينية وما بتصرف». لكنه لا يخفي رغبته بالسفر حتى يتمكن من شراء بيت كي يتزوج حبيبته، «ولكنه حلم ليس في متناول اليد».

من 1200 إلى 1500 دولار: مع ذلك لن أتزوج

رغم أن راتبه يبلغ 1500 دولار أميركي، إلا أن بلال يصف نمط حياته بـ»أبو الدراويش»، إذ أنه لا يلبث أن يتسلم الراتب حتى يدفع مباشرة القسط الشهري لقرض الإسكان وقيمته 1200 دولار. يضحك الشاب، ثم يتابع قائلاً: «وعليكِ أن تتخيلي بقية القصة، مع ذلك جرّبت أن أتأقلم مع الوضع، وأن أصنع لنفسي نمط حياة يلائم ما يتبقى معي من مال. كلّنا نستطيع العيش بمال قليل لكن المهارة أن نعرف كيف». لا يخرج بلال إلا أيام الآحاد مع رفاقه بسيارة واحدة إلى الطبيعة والمحميات. وقد يمرّ بأحد المقاهي خلال الأسبوع، يشتري ساندويش بـ3000 ليرة أو يقصد مقهى Second cup ويطلب كوباً من الشاي. لا أكثر من ذلك.
لا يفكر مهدي بالزواج الآن، يقول إنه سيقضي على حياته ما إن يشتري بيتاً. يتقاضى 1300 دولار، يقسمها ما بين قرض السيارة وثمن دواء والدته. وما يتبقى «أصرفه على هواي، وقد أستحلي لعبة لابن الجيران وأشتريها، لا يهمني الادخار، أحب أن أعيش، ولكي أعيش مرتاحاً عليّ أن أصرف. هذا البلد لا يوفر السعادة سوى بالمال». يقصد مهدي مقاهي وسط البلد أو الروشة مرتين أو ثلاث مرات في الأسبوع، يهتمّ بمظهره الخارجي كثيراً، ويحرص على أن ينتقي ثيابه بعناية من متجره المفضل «ماسيمو دوتّي». يقول إنه شاب في مطلع عمره «وإن لم أسخَ على نفسي الآن لن يُتاح لي ذلك حين أتزوّج».