غَوغَلَ يُغَوْغِلُ تَغَوْغُلاً


بمجرد أن تكتب كلمة «بورنو» (بالحرف اللاتيني) على google.be، تظهر لك لائحة فيها روابط تقودك إلى صحف ومواقع، كتبت فيها مقالات تناقش «البورنو». العالم الغربي منقسم حيال الموضوع. هل البورنو، بمعناه الواسع، شيء إيجابي أم لا؟ مثال بسيط على ذلك، نشرت صحيفة «ليبيراسيون» الفرنسية منذ فترة مقالتين حملتا العنوانين التاليين: «لماذا أوقفت البورنو؟» و«لماذا لا زلت أشاهد البورنو؟». كما أن بعض الصحف تتابع موضوع البورنوغرافيا عن كثب وتخصص لها مساحة كافية.

وكي لا أبدوَ بهيئة المبجل بالحرف اللاتيني وبنزعته «الفكرية»، أعدت كتابة الكلمة ذاتها، بالحرف العربي هذه المرة وذلك على موقع google.com.lb – «أثارني» خبر في الصفحة الثانية، تلى أخبار النجمة ميا خليفة بطبيعة الحال، إضافة إلى القليل من المقالات الباهتة وموقعي بورنو «وسخين»، يقول إن جماعة بوكو حرام سيطرت على ولاية «بورنو» شمال شرقي البلاد. أي بلاد؟ لو كنت مدرساً للغة العربية، وكان غوغل اللبناني طالباً في صفي، لقت له: خارج الموضوع.

ديك أميركي في العيادة

على موقع projectknow.com يشرح كاتب أحد البحوث أن الإدمان على «البورنو» يمكن أن يتسبب بما يُعرَّف علمياً «بتأثير كوليدج». الاختبار سهل، وينطبق على كل ذكور الثدييات من دون استثناء، وأولها الإنسان؛ اختبروا فأراً (ذكراً)، فألقوا به مع خمسة فئران (إناث) فقام بالتزواج معها دورياً حتى أنهكت قواه. ورغم أن الفئران، الإناث، استمرت تحتك به وتلعقه، غير أن السيد فأر المحترم لم يبالِ لشدة إنهاكه. أثناء استراحته، ألقوا له بفأر سادس (أنثى) الأمر الذي نشط «الليبيدو» لديه، فقام السيد فأر وتزاوج مع الفأر الجديد على الفور. هذا ما يعرَّف علمياً «بتأثير كوليدج». إن كل أنثى «جديدة» تنشط الحياة الجنسية لدى الذكر مهما كانت حالته البدنية، وهذا الأمر قد يجعل من البورنو، في حالات الإدمان، أكثر اثارة ومتعة من العلاقة الجنسية بين طرفين يعرفان بعضهما تمام المعرفة. وكالفِن كوليدج هو الرئيس الثلاثون للولايات المتحدة الأميركية (۱٩۲٣ – ١٩۲۹)، ومنه استوحي الاسم العلمي لهذه الحالة.

«شو ما دينك الله يعينك»

بحسب تقرير العام الفائت لموقع covenanteyes.com المناهض للبورنوغرافيا، إن ما يعادل ۱۲% من المواقع الموجودة على الإنترنت مواقع تحتوي مواد بورنوغرافية (حوالى٤٥٠ مليون موقعاً). كما أن ٣٥% من المواد التي حملت في العام ذاته، كانت مواد ذات طابع بورنوغرافي. في كل ثانية مرت من العام ۲٠۱٤، دفع المستهلكون ما يقارب ۲٣٠٠ يورو لشراء أفلام البورنو أو لمشاهدة الفتيات عبر الويبكام وصور عري إلخ... ولامس المردود العالمي الكامل من هذه المبيعات ما يفوق السبعين مليار يورو خلال سنة واحدة.


88% من مشاهد
البورنو الموجودة على الإنترنت تحوي عدائية جسدية تجاه المرأة، و45% عدائية لفظية،
أما العنف تجاه الرجل فهو موجود ولكن بضآلة
تدر صناعة البورنو ۱٣ مليار دولار سنوياً على الولايات المتحدة الأميركية، التي تمثل المنتج الأكبر من دون منافس، وواحداً من الأسواق الاستهلاكية الكبرى لهذه الصناعة. وتحوي ٨٨% من مشاهد البورنو الموجودة على الإنترنت عدائية جسدية تجاه المرأة، بينما تحوي ٤٥% على عدائية لفظية، أما العنف تجاه الرجل فهو موجود لكن بضآلة. أخيراً وليس آخراً، تشير الإحصائيات إلى أنه من بين كل ثلاثة أشخاص يزورون مواقع البورنو، هناك امرأة. البورنوغرافيا (وهذه من عندي) سلعة واسعة الانتشار، تفوقت منذ سنوات على كلاشينكوف وكوكاكولا سوياً.

ميموزا ش.م.ل

خلال التصوير، يقوم ممثلو/ ممثلات البورنو بتمارين رياضية تعجيزية. شيء ما يشبه تدريبات الجمباز. اللذة في الحقيقة تضيع كاملاً في وقت العمل، وهذا ما تؤكده المقابلات الكثيرة التي أجريت، خاصة مع ممثلات الـ X. الشريط الصوتي (la bande son) لا يضاف سوى لاحقاً، أي في مرحلة المونتاج. هذا يعني أن كل التأوهات العميقة مجرد تمثيلية. الهورمونات في هذه الحالة مفتعلة، بعكس هورمونات «باب الحارة» المأخوذة من قلب الواقع الاجتماعي. في شرائط الـ X إذن، تغيب الترويكا التي تمثل أسُس «الجنسانية» (la sexualité): العلائقية، الخصوبة، المتعة. بذلك يكون الهدف الأساسي من البورنو، كمنتج تجاري بحت، إثارة مشاعر معينة لدى المشاهد. ما يودي به إلى علبة «الميموزا» حتماً. غير أن هذه المشاهد تصبح مملة لشدة تكرارها، وهذا ما يفسر، بحسب الفيلسوف الفرنسي كزافييه تيفونو، انعطافة أغلب منتجات البورنو نحو مزيد من العنف، الانحراف، باحثة عن تجديدها، وعن الحفاظ على المشاعر التي يمكنها أن تثيرها لدى مستهلكيها. بحسب أكثر من معلق، البورنو الذي قدمه التلفزيون في أوائل التسعينيات، لا يشبه بورنو الإنترنت اليوم، وبورنو اليوم لن يشبه بورنو الغد.

على طرفي نقيض

ثمة اليوم على الإنترنت مواقع بورنو تخصص صفحات للنساء. إنها مليئة بالأزهار والورود وزجاجات النبيذ، وعلى ما يبدو، لا تتعدى هذه الصفحات «الكليشيه الجنسي النسائي» الذي يتخيله ذكور الشركة المنتجة الحمقى. وفي نقيض تلك «الصفحات الرومانسية»، المبتذلة، يظهر الواقع بثقله وخطورته. أكثرية مواقع البورنو تعتمد على دينامية «اذلال المرأة»، وهذا بالضبط ما يجده المشاهد، كان رجلاً أم امرأة، «مثيراً». السلطة، بمعناها الحيواني الغرائزي، تمثل المحرك الأساسي في معظم فيديوهات البورنو، خاصة المجانية منها. موقعا يوبورن وبورنهاب خير دليل على ذلك. وإن كان الرجل لا يكترث لفظاعة السيطرة الجنسية، ونوعية البورنو الذي يقدَّم للمشاهد، فالمرأة، بشكل عام، تواجه صعوبة اجتماعية أكبر في تحمل التبعات، والانسياق إلى هذه اللعبة. كما أنها، لأسباب عديدة ومختلفة، لا تعترف بمشاهدة البورنو بسهولة. فهي، من جهة أولى، تنظر إلى ماضيها القاسي، وترى تاريخاً حافلاً بالتفوق الذكوري الذي جعلها بمصاف الرق، وانتهكها وهدر حقوقها طوال قرون. ومن جهة ثانية، تتوجس وتشعر أنها بقبولها الدخول في لعبة الرغبات، حتى ولو كانت صورية فقط، تساهم في تحويل نفسها أكثر فأكثر إلى مجرد «قطعة لحم» في المجتمع اليومي. من رحم هذه المخاوف، ولدت مبادرة بعض الحركات البورنوغرافية النسوية في نهاية السبعينيات، وذلك في الولايات المتحدة الأميركية. سريعاً انضمت إليها ممثلات X ومخرجات مثل أني سبرينكل، عملن على انتاج بورنوغرافي يحاول كسر الصورة النمطية السائدة التي تقول إن المرأة لا تحب الجنس إلا في «الحب»، وإنها لا تمتلك «فانتازمات» كما الرجل.