لم تتوان محطة «إي أس بي أن» في أحد برامجها الرياضية عن إعداد تقرير حول مستوى «الأميركيين البيض»، كما سمّتهم، في الدوري الأميركي الشمالي للمحترفين في كرة السلة.

كان من بين الضيوف في تلك الحلقة النجم السابق لفريق لوس أنجلس لايكرز، جيري وست، فتوجّه إليه مقدّم البرنامج بسؤال حول من هو اللاعب «الأميركي الأبيض» الأفضل حالياً في البطولة، ليقول ويست بصراحة: «لا أستطيع الإجابة».
المصطلح (الأميركي الأبيض) الذي استخدمه المقدّم، وجواب وست يعطيان فكرة واضحة، لمن لا يتابع بطولة السلة الأميركية (أن بي آي) الأفضل في العالم، عن واقعها الذي يسيطر عليه تماماً الأميركيون من أصل أفريقي أو «الآفرو ـ أميركيون».
هكذا، يبدو شائعاً في الولايات المتحدة مصطلحا «الأميركيين البيض» و»الأميركيين السود» في البطولة الأقوى التي تشكل سيطرة اللاعبين من العرق الأسود عليها علامة فارقة ولافتة على مستوى البطولات الرياضية الكبرى.

هذه السيطرة يجسدها حالياً نجوم مميزون على شاكلة ليبرون جيمس ودواين وايد وديريك روز وستيفن كوري وجيمي باتلر وجيمس هاردن ودوايت هاورد وغيرهم الكثير الذين يُعَدّون امتداداً لنجوم عمالقة جذبوا الأضواء من كل العالم إلى البطولة الأميركية التي لا تخلو دوماً مدرجاتها من المشاهير من مختلف الفئات السياسية والفنية والرياضية من الولايات المتحدة وخارجها.
الإحصاءات في الولايات المتحدة تشير إلى أن اللاعبين من العرق الأسود يشكّلون حالياً أكثر من 80% من لاعبي البطولة. وللمقارنة، فإن النسبة كانت في عام 1950 تشير إلى 3 % فقط، لتتدرج صعوداً على الشكل الآتي: 29% عام 1960 - 54% عام 1970 - 65 % عام 1980- 72% عام 1990 - 78 % عام 2000، في البطولة التي انطلقت عام 1946 دون وجود أي لاعب منهم حيث كان إيرل لويد أول لاعب «آفرو- أميركي» يخوض مباراة في الـ «أن بي آي» عام 1950، فيما كان دون باركسدايل اللاعب الأسود الوحيد في تشكيلة منتخب الولايات المتحدة المشارك في الألعاب الأولمبية عام 1948.
لا يخفى هنا أن المقومات الجسدية التي يملكها اللاعبون الـ «آفرو أميركيون» من خلال البنية القوية وقدرة التحمل العالية في لعبة تتطلب مجهوداً كبيراً أدّت إلى بروز هؤلاء في الـ «أن بي آي»، وهذا الأمر ترافق مع اشتهار «كرة الشارع» في الأحياء الأميركية والتي أكسبت اللاعبين من العرق الأسود المهارة الى جانب القوة البدنية.
ويشرح الباحث نيكولاس مارتن أن اللاعبين الـ «آفرو أميركيين» أدخلوا طريقة تفكير وأسلوب لعب جديدين في السلة الاميركية أساسهما القوة البدنية والسرعة والعدوانية والاستعراض الذي يلهب حماسة الجماهير. ولعل لقطات تحطيم كثير من هؤلاء للسلات خلال التسجيل بطريقة الـ «دانك» تعطي فكرة واضحة عن حقيقة هذا الأمر.
في المقابل، فإن دراسات أخرى توضح أن اللاعبين من العرق الأبيض اشتهروا أكثر في مركز صانع الألعاب فقط والذي يعتمد على التكتيك بنسبة كبيرة.
ويمكن القول إن مرحلة الثمانينيات تحديداً شكلت المدماك الأساسي لفرض اللاعبين الـ «آفرو أميركيين» سيطرتهم المطلقة على الـ «أن بي آي» مع ظهور لاعبين مثل ماجيك جونسون ومايكل جوردان تحديداً، ومعهم لاعبون مثل سكوتي بيبن وحكيم اولاجوان وتشارلز باركلي وكارل مالون.
جوردان تحديداً شكّل «حالة» في المجتمع الأميركي من خلال طريقة أدائه وقفزاته الخارقة وتسديداته الخاصة، وقد غزا قميصه الرقم 23 وحذاؤه الشهير مع الشعار الخاص به السوق الأميركية ليصبح «النجم الأيقونة» في المجتمع الأميركي. حقبة جوردان، وما شكّلته، جذبت المتابعين إلى الـ «أن بي آي» بشكلٍ مهول ورفعت نسب المشاهدة إلى حدودها القصوى، بحيث شكّل «أم جاي» بكاريزمته «المثل الأعلى» الذي يحلم الشبان من أبناء جلدته باتباعه، وقد كان لهذا الأمر تأثير طبعاً في ظهور الكثير من المواهب.
هذا الواقع تواصل لاحقاً مع حقبة شاكيل أونيل وألن أيفرسون وتيم دانكن وكوبي براينت وديفيد روبنسون وصولاً إلى حقبة ليبرون جيمس حالياً.
هذه السيطرة لـ «الآفرو أميركيين» لم تمنع من بروز بعض اللاعبين من العرق الأبيض، لكنهم غالباً ما كانوا من خارج الولايات المتحدة، كالألماني ديرك نوفيتسكي والإسباني باو غاسول والأرجنتيني مانو جينوبيلي، ويمكن القول إنهم، من دون أدنى شك، ظلوا حالات استثنائية في البطولة الأميركية.
بعيداً عن هذا الواقع، لا يمكن إغفال المسببات التاريخية وعدم الربط بين بدء ازدياد وجود
الـ «آفرو أميركيين» في الـ «أن بي آي» في بداياتها، وتحديداً في فترة السيتينيات وصعود، بالتوازي، نجم المناضل الشهير مارتن لوثر كينغ الذي قاد حملات ضد التمييز العنصري وللمطالبة بالحقوق المدنية للسود في الولايات المتحدة، لتكون أحد تجليات ذلك الحكم المطلق لأحفاده للبطولة الأشهر في البلاد بعد حوالى خمسين عاماً.