في كتاب التاريخ الرسمي، المعتمد من الدولة اللبنانية، ترد الجملة الآتية «وقد وحّد حزبا النجادة والكتائب جهودهما مساهمين في تحقيق الاستقلال». نذكر حين صادفنا تلك الجملة في صف البكالوريا السؤال الذي طرحناه على معلّمة التاريخ: «حسناً، الكتائب نعرفهم، لكن من هم النجادة؟». صمتت المعلمة التي لم تكن تكبرنا بسنوات كثيرة، وأجابت بشيء من الارتباك «يبدو أنه حزب قديم». إذاً نسي، أو يجهل، قسم من اللبنانيين «حزب النجادة» المساهم بشهادة عدد من المؤرّخين في استقلال لبنان، والذي كانت له بصمات واضحة في مفاصل الحياة السياسية قديماً، كما نقرأ في الكتب. على مسافة غير بعيدة من مقرّ «النجادة»، الواقع في منطقة النويري في بيروت، نسأل المارّة عن معرفتهم بهذا الحزب، ليتبيّن أن بعضهم يسمع بالاسم للمرة الأولى، فيما ينسب أحدهم على سبيل المثال «النجادة» إلى رئيس إيران السابق محمود أحمدي نجاد، ويدلي آخرون بغيرها من الإجابات التي تبتعد عن الواقع. وحدهم كبار السن الذين عاصروا الحزب أيام صعوده وهبوطه، يعلمون بوجود الحزب ويكرّرون اسم زعيمه عدنان الحكيم.


التأسيس والانتشار

يعود أصل كلمة «النجادة» إلى منطقة نجد، وهي أحد أقاليم شبه الجزيرة العربية التاريخية وأكبرها مساحة. وقد كانت «النجادة» في البداية عبارة عن فرقة في كشافة المسلم التي تأسّست عام 1912، لتتحوّل في عام 1936 إلى حزب منفصل. وخلال سنوات قليلة، نجح الحزب في تكوين حيثية شعبية داخل الشارع البيروتي، خوّلته المشاركة في «معركة الاستقلال» سنة 1943، عبر تنظيم التظاهرات الرافضة لاعتقال رجالات الاستقلال، لتمنح حكومة الاستقلال الحزب وساماً تكريماً لجهوده.

بلاد العرب للعرب

يجزم مسؤول الإعلام السابق في «حزب النجادة» خالد اللحام بأنه لا يمكن التطرّق إلى مسيرة «النجادة» من دون المرور بعدنان الحكيم الزعيم التاريخي للحزب. ممثّل مدينة بيروت في المجلس النيابي خلال دورات انتخابية عديدة، والذي ترشح لانتخابات رئاسة الجمهورية عام 1970 في سابقة من نوعها، لكون الحكيم ينتمي إلى الطائفة السنية. يومها طرح الحكيم نفسه مرشحاً وسطياً بين مرشح الشهابيين إلياس سركيس، وسليمان فرنجية ليفوز الأخير بفارق صوت واحد. ورغم الطابع السني البيروتي الذي طغى على الحزب، يؤكد اللحام أن الحزب كان مفتوحاً على جميع الطوائف والمناطق، ودليله أن «مجلس القيادة كان مؤلفاً من أفراد ينتمون إلى مذاهب مختلفة». كما يقول اللحام إن «النجادة كان حزباً قومياً عربياً بحق، وخصوصاً أنه اتخذ مقولة بلاد العرب للعرب شعاراً دائماً له، وقد لازمته في علمه الأبيض ونشيده الذي لحنه الأخوان فليفل». كما يذكر كيف كان «النجادة» يحشد الآلاف من مناصريه (يوم كان للنجادة مناصرون) للتظاهر في شوارع بيروت تضامناً مع القضايا والشعوب العربية.
وبالعودة إلى الوراء، فإن الأمر اللافت في «النجادة» يعود إلى كونه أوّل حزب ينال «علم وخبر» في تاريخ الجمهورية اللبنانية، وذلك في عام 1954 في عهد وزير الداخلية آنذاك سليمان فرنجية. وفي خمسينيات القرن الماضي وستينياته، واصل الحزب مساره التصاعدي ليعرف في تلك الفترة مرحلة ذهبية، مستفيداً من العلاقة المميزة التي كانت تجمع عدنان الحكيم بالرئيس جمال عبد الناصر، إذ يحفل أرشيف «النجادة» بعشرات الصور التي تجمع الرجلين.


النجادة أوّل حزب ينال
«علم وخبر» في تاريخ
الجمهورية اللبنانية


وإضافة إلى النشاط السياسي، اهتم الحزب بالعمل الإعلامي، فأنشأ «إذاعة النجادة» وصحيفة «صوت العروبة». كما قام الحزب بإنشاء مستوصف، وكشافة النجادة، ونادي العروبة الرياضي، ومسرح، ومكتبة ثقافية، وغيرها من المؤسسات الحزبية التي أقفلت جميعها، باستثناء المستوصف الذي لا يزال صامداً.

بداية النهاية

مع بداية الحرب الأهلية، اتخذ رئيس النجادة عدنان الحكيم القرار الصعب بإغلاق الحزب والطلب من المناصرين تسليم أسلحتهم. قرار أثار جدلاً وانقساماً في صفوف النجاديين بين معارض ومؤيد. ففي حين اعتبر البعض أن الحزب نجا من السقوط في فخ القتل وتلويث يديه بالدم، رأى آخرون أن الحزب دفع ثمناً باهظاً بعدم دخوله الحرب، بدليل أن كل من شارك في المعارك كوفئ بالمناصب والوزارات. ويبقى رأي يقول إن «ضعف الإمكانات العسكرية والمالية جعل الحزب ينسحب مبكراً من معركة كانت ستكون خاسرة».
في عام 1991، توفي عدنان الحكيم. وقد أقيمت له مراسم تشييع حاشدة. ومنذ ذلك اليوم، وصبيحة كل عيد استقلال، يوضع إكليل من الزهر باسم الجمهورية اللبنانية على ضريح الحكيم تقديراً لجهوده في تحقيق الاستقلال. بعد وفاته، تسلّم أقاربه الحزب، محاولين إعادة إحيائه، فتم انتخاب مصطفى الحكيم وهو ابن شقيق عدنان الحكيم رئيساً للحزب سنة 1992 ولا يزال في منصبه حتى الآن.

الحزب غير حاضر

دارت أيام «النجادة». تخلت الجماهير عن الحزب، أو تخلى الحزب عن الجماهير كما يزعم البعض، والمقارّ المنتشرة في العديد من المناطق أقفلت ولم يبق إلا المقر القديم في منطقة النويري الذي تحوّل بدوره إلى مستوصف. لم يبق لـ«النجادة» إلا الصور والأوسمة وبضعة بيانات تصدر بين الحين والآخر، ليواجه «النجادة» مصيراً مشابهاً لعدد من الأحزاب، كالنهضة والطليعة ولبنان الاشتراكي التي باتت على هامش الحياة السياسية اللبنانية.
وفي هذا الصدد، يعترف نائب رئيس النجادة محمد الفيومي بالمعاناة التي يعيشها الحزب. يقول بحسرة «في لبنان من لا يملك المال لا يمكنه العمل بالسياسة، ونحن نفتقد هذا العنصر». تسأله عن عدد المناصرين والمنتسبين، فيجيب أن باب الانتساب مقفل حالياً، فتعلم عندها أن تكرار السؤال عن العدد لن يكون أمراً محبّباً للقيادي النجادي، الذي يؤكد استقلالية «النجادة» عن الاصطفافات السياسية، رغم أن متابعة البيانات التي صدرت عن الحزب أخيراً تلحظ بوضوح انحيازها لقوى 14 آذار. فالبيان الأخير تضمن هجوماً على موقف السيد حسن نصر الله تجاه السعودية التي تقود عاصفة الحزم لاسترداد الشرعية اليمنية بحسب بيان «النجادة».
في مدافن الباشورة، يرقد عدنان الحكيم. ثمّة من يقول إنه بموت الرجل مات «حزب النجادة». كلام ينفيه قياديو «النجادة» على قلّتهم، معتبرين أن الحزب العجوز لم يلفظ أنفاسه الأخيرة بعد.