صلوات، مسيرات، شموع، قداديس وورود. هكذا يمارس المؤمنون العبادة في شهر أيار تكريماً للسيدة العذراء، وذلك منذ عام 1834، مع مجيء الرهبانيات الغربية إلى لبنان. الاحتفال الأول بهذه المناسبة في لبنان بدأ في كنيسة سيدة النجاة في بكفيا، ومنها انتقل إلى كلّ لبنان. إذ تشهد معظم الكنائس طوال أيام هذا الشهر حجاً متواصلاً من قبل المؤمنين، الذين يفعلون ذلك بطقوس مختلفة.


إلا أن الازدحام الأكبر يشهده مزار سيدة لبنان في حريصا، التي تستقطب نحو مليون زائر خلال هذا الشهر وحده.
ويتنوّع الزوّار في جنسياتهم، انتماءاتهم الدينية، وأعمارهم. منهم من يقصد المكان بهدف الصلاة والعبادة، ومنهم من يختار التمتع بجمال الطبيعة والمنظر الذي تطلّ عليه سيدة لبنان من أعلى أسوار حريصا. ويلفت إصرار عدد من المؤمنين على الزيارة، على الرغم من أعمار بعضهم المتقدّمة أو عدم قدرة البعض الآخر على التنقل مثل ذوي الحاجات الخاصة الذين خُصّصت لهم ممرات خاصة. وتختار بعض الفتيات في هذه المناسبة ارتداء ثوب العذراء الأزرق طوال هذا الشهر. فتعبّر مارينا بفرح عن قيامها بهذا الأمر للسنة الثانية على التوالي، معيدة السبب إلى أنها تعافت من مرض ألمّ بها بعدما ارتدت هذا الثوب مع الوشاح الأبيض العام الماضي.
بين المصلّين، مضيئي الشموع، مرتدي زيّ العذراء أو زيّ المسيح، يستوقفك في زحمة المكان عدد من المحتاجين الذين يجمعون المساعدات، سواء من خلال بيع الشموع أو الصور، أو من خلال الطلب مباشرة للمال بحجة شراء أدوية أو طعام. وبين كلّ هؤلاء، تبقى فئة من العشاق، الذين يقصدون المكان لجمال موقعه، خصوصاً في فترة الغروب التي تتيح التقاط صور جميلة لخليج جونية.
تنوّع أسباب الزيارة لا يتعارض مع التزام شروطها، التي تبرز من خلال لافتة تستقبل الزوّار عن البوابة «المكان مقدّس أهلاً بك مؤمناً مصلياً محتشماً»، كذلك يمنع التدخين وإدخال الأكل والمشروبات وإثارة الفوضى. وفي هذا الإطار يقول رئيس المزار الأب يونان عبيد إنه يحاول قدر الإمكان أن يكون «صارماً في تطبيق القوانين وجعل الناس يلتزمونها». ومن الناحية الأمنية يشير عبيد إلى وجود «أكثر من 40 عنصراً، بينهم 12 امرأة من الجيش، بالإضافة إلى الدرك والأمن العام ومهمتهم حفظ الأمن ومنع الزوّار من النوم في الساحات خارج بوابة المزار» كما كان يحصل في سنوات سابقة. إذ يحرص كثيرون على إحياء هذا الشهر بالعبادات، ومنهم من يحرص على القيام بالزيارة سنوياً. يسلكون الطريق بسياراتهم، أو يستقلون سيارات أجرة تؤمن الركاب من جسر جونية إلى المزار بكلفة بسيطة. فيما يختار البعض الآخر سلوك طريق حريصا مشياً على الأقدام كتضحية في هذا الشهر وتكفيراً عن خطاياهم. أم جورج واحدة من هؤلاء، عبّرت عن سعادتها وهي تضيء الشمعة في المزار قائلة: «أسلك طريق المزار حافية القدمين كلّ شهر أيار، وأتلو مسبحة الوردية لمدة 5 ساعات متواصلة من جونية إلى حريصا، أرتاح قليلاً عند حافة الطريق لكني أعاود السير حتى أصل، وهذا وعد قطعته مع العذراء منذ 8 سنوات».

عيد المزار

يعدّ مزار حريصا من أهم المواقع السياحية في لبنان، فهو يستقطب السيّاح العرب والأجانب للتمتع بروعة المنظر من أعلى الجبل الذي يرتفع 700 متر عن سطح البحر، والاستمتاع برحلة التنقل عبر «التليفريك» الذي دشّن لأول مرة في 18 تشرين الثاني 1965. ما إن تصل إلى المزار حتى يقع نظرك على تمثال السيدة العذراء، وضخامة البازيليك الذي يحتضنها، وسط جو من الهدوء والصمت.


سمّي الشهر باسم العذراء بسبب كثرة الورود التي يحملها وتهدى إليها

يقول الأب يونان عبيد إن «فكرة إنشاء المزار جاءت بمناسبة الاحتفال باليوبيل الخمسيني لإعلان البابا بيوس التاسع، في 8 كانون الأول 1854، العقيدة المريمية «الحبل بلا دنس». وقع الخيار على تلة حريصا وولد المزار سنة 1908 ودشنت في 3 أيار 1908، ورعى التدشين البطريرك الياس الحويك والسفير البابوي.
ومنذ عشر سنوات تنازلت السفارة عن حقها في المزار وأصبحت بكركي صاحبة المقام بكامله. وسلّمت إدارة المزار لجمعية المرسلين اللبنانيين الموارنة». ويضيف: «منذ تدشينه والجماهير تقصده بعد إعلان البطريرك أنه في كل أول أحد من أيار يكون عيد المزار.
ومنذ ذلك الحين بدأ المزار يتوسع مع ازدياد المؤمنين الوافدين من لبنان والعالم باختلاف دياناتهم. فأصبحت حريصا القرية الصغيرة محجّاً مسيحياً مهماً في الشرق». وقد افتتحت أول أمسية للشهر المريمي في حريصا في 29 نيسان 1954.
وعلى الرغم من بعض الآراء التي ترى أن هذا المزار يجب أن يكون مسيحياً فقط، يوضح عبيد أن «المزار وطني ديني وعالمي والجميع يأتي إليه، فمن كنيسة تتسع لـ40 شخصاً، أصبح لدى المزار 5 كنائس، وذلك بسبب الزوار. واليوم أصبح في المزار تسعة آباء يقدمون الخدمات الروحية لأكثر من 1000 نسمة يومياً، فيحيون يوم الأحد 11 قداساً، ويبقى المزار من أهم المزارات العالمية، نظراً إلى اتساعه والعاملين فيه والزوار الذين يأتون إليه. إذ ترتفع أعداد الوافدين إلى مليون نسمة في شهر أيار، والأبواب مفتوحة أمامهم على مدار الساعات الأربع وعشرين».
ويشير عبيد إلى أن «الإيرانيين هم أكثر السيّاح الذين يرتادون المزار، وكنا ننظم لهم اللقاءات ونعدّ الكتيبات باللغة الفارسية والعربية مع الشروحات، بالإضافة إلى محاضرين يتحدثون اللغة للمشاركة بالإنجيل والقرآن»، موضحاً أن المزار يعني فئة منهم «لأنهم يعتبرون مريم أماً لهم، وهناك فئة ثانية تعتبره مركزاً سياحياً فيزورونه بدافع الحشرية فقط»، لافتاً إلى تدني نسبة السيّاح أخيراً بسبب الظروف الأمنية.

لماذا شهر أيار؟

يواصل المؤمنون في شهر أيار التزامهم الصلاة والتضرّع للسيدة العذراء، من دون أن يعرف كثيرون منهم سبب تخصيص هذا الشهر للعذراء. يوضح الأب عبيد أن الاحتفال بهذا الشهر بدأ «في الجيل الرابع عشر بفضل الرهبانيات اليسوعية والدومينيكية والعزارية والكبوشية، إذ عمدت إلى نشر هذا التكريم لمريم انطلاقاً من مبادرة فردية قام بها شخص اسمه هنري دو سوزو.

إذ التفت الأخير إلى أن هذا الشهر تكثر فيه الورود، وتصنع منه الأكاليل للعذراء، وتوضع ويضعونها على صورها والتمثال، ما جعله يسمي الشهر باسمها». ويتابع: «بفضل الرهبانيات في إيطاليا وفرنسا والغرب عموماً، ولأن الفكرة لاقت ترحيباً من المؤمنين، عمّم البابا إينوشنسيوس الحادي عشر عام 1683 على العالم أجمع ضرورة أن يكون أيار شهراً مخصّصاً لتكريم العذراء مريم. ومع مجيء اليسوعية إلى لبنان عام 1834 قدموا إلى سيدة النجاة ــ بكفيا مصطحبين معهم صورة للعذراء من إيطاليا وبدأوا الاحتفال بهذه المناسبة منذ ذلك الحين». ويشير الأب يونان إلى أن «للعذراء شهراً آخر هو شهر تشرين الأول المخصّص للوردية».
يذكر أن اللبنانيين يقصدون مزارات أخرى في هذا الشهر، أبرزها: سيدة الحصن – إهدن، سيدة مزيارة، سيدة الزروع – جونية، سيدة الجبل – أدما، سيدة مارتيم – جبيل، سيدة البحر – البترون، سيدة النورية – شكا، سيدة البير – جل الديب، بقنايا، سيدة بزيزا – بيت شباب، سيدة إيليج – ميفوق، سيدة لورد – الأشرفية، دير العزارية، سيدة مغدوشة، إلخ.




الكنائس الخمس

انطلق مزار حريصا من تمثال العذراء ليشمل أربع كنائس إضافية. يتألف التمثال البرونزي المصهور من سبع قطع جمعت فوق القاعدة وطليت بالأبيض، يبلغ طوله 8.5 أمتار، يمكن الصعود إليه عبر درج لولبي يقود الزائر إلى ارتفاع يكشف له أجمل المناظر على تلّة حريصا. هناك كنيسة أم النور، وهي أول كنيسة في المزار بنيت عام 1904 في السنة اليوبيلية الخمسينية لإعلان عقيدة «الحبل بلا دنس». تحتوي على بيت القربان وصليب كبير مصنوعين من خشب الأرز، بالإضافة الى تمثال عذراء أم النور من الخشب نفسه. وُضع الحجر الأساس بعدها للبازيليك سنة 1971 بتصميم يحمل رمزين: الأول الأرزة اللبنانية والثاني للسفينة الفينيقية التي ترتفع قبتها إلى 62 متراً وتتسع لنحو 3500 شخص يستطيعون مشاهدة التمثال من خلال واجهة زجاجية خلف المذبح الرئيسي.
وتقع تحت البازيليك كنيسة سيدة لورد، التي تأسست سنة 1971 وتتسع لنحو 300 شخص وضع فيها تمثال لسيدة لورد، وهو هدية قدمها البابا يوحنا بولس الثاني عام 1992 للمزار وخصّص فيها مكان للاعتراف والإرشاد. ولهذه الكنيسة طابع خاص بأهالي البلدة، إذ كانت الملجأ الوحيد لهم أثناء الحرب.
وقد شيّدت أخيراً كنيسة الغفران عام 1997، وتتضمن في وسطها أيقونة تمثل المسيح، الراعي الصالح، حاملاً الخروف الضائع وهي مخصّصة لطالبي الاعتراف والإرشاد كما اسمها. ويوفر المزار أيضاً بيتاً للراحة والاستجمام أُطلق عليه اسم «بيت عنيا» للرياضات الروحية، وهو لكل إنسان يريد الراحة، وقد أطلق عليه هذا الاسم لأن المسيح كان يقصد بيت عنيا للراحة من عناء الرسالة والتعب.



غلاء التذكارات

في مزار حريصا يجد الزوّار مكاناً مخصّصاً لشراء التذكارات، التي تصدم البعض بسبب ارتفاع أسعارها التي تتفوق على القدرة الشرائية لأصحاب الدخل المحدود. ويبرّر رئيس الدير الأب يونان عبيد الأمر بالقول إن «المزار يقوم بشراء هذه التذكارات ويستوردها من إيطاليا، البرازيل، براغ، اليونان والصين بهدف التنوّع وتأمين موارد إضافية للمزار وتحقيق الاستمرارية»، لافتاً إلى وجود «رواتب الموظفين الذي يصل عددهم إلى 60 موظفاً».
وفي خطوة أخرى يتفرّد المزار بنحو خاص في لبنان بمعرض للأيقونات الروسية القديمة التي جمعتها الإدارة من روسيا ونظمت معرضاً خاصاً بها.