كان الإله الذي أتكلم عنه موجوداً يوم كان الناس يصنعونه من مادة أفكارهم، لينيروا به ظلمة وجودهم؛ غير أنهم، عندما انقسموا إلى عبيد وأسياد، وتفرقوا شعوباً وقبائل، عندما مزّق الناس أفكارهم، وإرداتهم، مات الإله، تحطّم الإله! أكبر جريمة ارتكبها أسياد الحياة هي أنهم حطّموا قوة الشعوب الخلّاقة.


وسيأتي وقت تعود فتتجمع فيه إرادة الشعب كلها في بؤرة واحدة، ولا بد أن تظهر فيها عندئذ قوة عجيبة لا تقهر، فينبعث الإله من جديد! ذلك هو الإله الذي تبحث عنه يا «ماتفي». أمامي كان رجلان ينكران الله يتبارزان، وهما مفعمان بإيمان صادق. فأسأل نفسي: «ما هو معتقدي؟» ولا أعرف الجواب. وبدلاً من سؤالي: أين الله، برز سؤال جديد: من أنا، ولماذا أنا موجود؟ ألكي أبحث عن الله؟
(مكسيم غوركي، اعتراف ــ أين الله؟)




ماذا تريد الآلهة منّا؟

«لن تصدّق ما الذي سينشب هنا نهار الغدّ». يقول لي بريم، أحد المزارعين النيباليين. «في الغدّ، سوف تأتي الآلهة وتلاحقنا في دوليكيل». كنّا في «باتيداندا» حينها، الحافّة البوذيّة من «دوليكيل»: البلدة النيواريّة شرق العاصمة كتمندو. كانت جبال الهيمالايا عصر ذاك اليوم تتنازع مع الغيوم التي راحت تلاصق مساكن القرى المجاورة من وادي كتمندو. وكانت السّماء تستعدّ لترمي أمطارها. ربّما لن تمطر غداً فالآلهة تملك قرار كلّ شيء بالنسبة الى بريم، مع العلم أنّ البوذيّة لا توافقه على فكرة الألوهيّة وقدرتها، لكنّه بدا مطمئنّاً. كان هذا قبل أسبوعين من الزلزال.
أفقنا على شمسٍ حارقة في الصّباح: إنّه اليوم الموعود، يوم يحتفل اهالي دوليكيل بالـ»نافا دورغا»: أي الآلهة الأمّ، وهي تأتي بتسعة أشكال. هنا يحتفل بأربعة فقط. مهلاً، إنّه يأخذ أموالهم، لم يذكر لي بريم شيئاً عن الإله والمال، لربّما نسي. الحفل يأخذ طابع العيد، الجميع يبتسم، الأولاد يتراشقون بأكياس الماء لعدم توفّر المفرقعات الصينيّة في الأحياء الفقيرة. كبار السنّ يجلسون مع أقربائهم خلف النوافذ. النوافذ كبيرة، تلعب دور الشّرفة مقارنة بعمارتنا. فريق الآلهة الأربعة ينحدر من عائلة آلهة - هندوسيّة يأتي من محلّة باكتابور المجاورة. هي ليست مناسبة دينيّة بقدر ما هي حفلة لجمع الأموال. بعد أن يلتقط «الإله» أحدهم يغفر له ويصادر، بالكثير من السّماح، القليل من أمواله، وكأنّ الإيمان أصبح مكلفاً.



العودة الى «باغافاد غيتا»

بعيداً عن الحرفة الاقتصادية التي برع رجال الدّين تاريخيّاً في ممارستها على الشعوب وحاجة الدين الطبيعيّة للأموال مع انتقاله الوظيفي من مانح إلى جابٍ مؤسساتي؛ السؤال السالف يبقى عالقاً: ماذا تريد منّا الآلهة؟ أين يكمن خلاصنا؟ أين أخطأنا؟ ممّ نحن خائفين؟ في مساء ذلك السّبت المشؤوم، سبت الزلزال، كان كلّ نيبالي يسأل نفسه هذه الأسئلة على مقربة من الآلهة: هل ايماني ضعيف؟ فالأديان دائماً ما تبرّر النتائج الكارثيّة لجنون الطبيعة بضعف ايمان الجماعات. قبل قرن ونصف من الزلزال، ناقش الفيلسوف الوجودي الايماني الدنمركي سورين كيركغارد ماهيّة الايمان والحبّ في كتابه «الخوف والارتعاش». يعرّف كيركغارد الإيمان على أنّه أعلى درجات الحبّ. ويعتبر بأنّ «الحكمة الدنيويّة تعتقد أن الحب هو علاقة بين إنسان وإنسان». المسيحي يعلم أن الحب هو العلاقة بين: الانسان والإله والانسان ، وهذا يعني، أن الله هو على المدى المتوسط». اذن من علينا أن نحبّ أولاً؟ أو بمن نؤمن أولاً كي نحبّ لاحقاً؟ بالمقياس النيبالي، لا بدّ من العودة الى «الباغافاد غيتا»؛ الكتاب المقدّس في الهندوسيّة؛ الذي يمثّل الجزء الأكبر من الاثنية النيوارية. الغيتا أو الانجيل الهندي، أو إلى الحوار الذي يدور بين «كريشنا» و«أرجونا» في بداية المعركة؛ وهو عبارة عن 700 آية تقع في ثمانية عشر فصلاً. يمثّل كريشنا الربّ المبارك وأنجونا المحارب. فلسفيّاً؛ الغيتا يقدّم نفسه على أنّه كتاب المجتمع الألوهي؛ الذي يمكن لأي شخص الوصول الى الحقيقة والسّعادة عبر مراحل عدّة من التجارب والتأمل. في فصله الثامن عشر يعرّف الغيتا الكارثة فيقول: «الكارثة الحقيقيّة أن تحكمنا مجموعة من الأفكار التي تحرّكها الأنا والغطرسة والشهوة والغضب الشّديد. الكارثة الحقيقيّة... أو الزلزال الحقيقي في حال النيبال «هو أن يسيطر العناد على أفكارنا والادمان على ممتلكاتنا وثرواتنا».





مساعدات لا تصل

لولا أنّ الغيتا المقدّس لم يكن جزءاً من ملحمة تاريخيّة تعود الى آلاف السنوات ما قبل الميلاد لظنناه برنامجاً إصلاحيّاً للانتخابات النيبالية المقبلة. هذا إن لم يصلُح كدستور في بلد غابت في مؤسساته ولو محاولة واحدة لتشريع قانون لم يرتقِ بعد الى إعلانه الرّئيس الحالي منذ ثلاث سنوات.
في عام 2011 أشار التقرير الذي قامت به مجلّة «الاكونومست» الى أنّ 90% من المساعدات الماليّة لا تصل الى النيباليين جرّاء الجريمة المنظّمة والفساد السّياسي. عام 2014 أشارت «نيويورك تايمز» الى أنّ عدد النيباليين المهاجرين للعمل في الخارج هو 1500 عامل يتركون النيبال يوميّاً للعمل في الخارج، بعد أن كانت النسبة لا تتخطّى الستّة عمّال في 1996. في بداية 2015 احتلّت النيبال المركز 126 من أصل 175 دولة في مؤشّر الفساد ضمن تقرير الشفافية العالميّة (Transparency International).
وإن كان لا بد من خلاصة، فإنّ كان الزلزال هو أحد أشكال «العبث الكوني» وبالتالي لا يمكن الحديث عن منفّذ أو مفجّر له. وبغضّ النظر عن حقيقة استهتار الحكومة النيباليّة من تحذيرات العديد من مراكز الرّصد الهنديّة، فلا بدّ من تّأكيد ــ بطبيعة الحال ــ دور السّياسة الدّائم في الجريمة، إلهية كانت أم سلطويّة. بعيداً عن الزلزال، وبالقرب منه أيضاً، يبقى السؤال قائماً: ما الذي تريده الآلهة؟