يشتهر قضاء بعبدا باعتماد اقتصاده على قطاعَيْ السياحة والزراعة. لكن كفرشيما، ابنة القضاء أيضاً، تجعل من السهل إضافة قطاع الصناعة إلى اللائحة. فللصناعة حصة وازنة في البلدة (التي خرج منها عدد من المطربين اللبنانيين: فيلمون وهبة وملحم بركات وماجدة الرومي...)، تتجسّد من خلال المنطقة الصناعية التي تنتشر على مساحة واسعة من أرضها.


لن يضلّ قاصد المنطقة الصناعية في كفرشيما الطريق. ضجيج المعامل ودخان المصانع يدلان إلى المكان، فما إن تعبر جسر كفرشيما _ الشويفات، وتسلك المفرق المؤدي إلى البلدة حتى تستقبلك المنطقة الصناعية بصفّ من المحلات المتلاصقة على جانبي الطريق، والتي يعمل أغلبها في مجال الميكانيك. أما العامل الحاسم وراء نشوء المدينة الصناعية في كفرشيما تحديداً فيعود إلى كون الدولة اللبنانية قد صنّفتها على أنّها منطقة صناعية فاندفع المستثمرون إلى بناء مصانعهم ومعاملهم في المكان مستفيدين من التسهيلات في الضرائب والرخص المقدمة في ذلك الوقت. غير أن الانطلاقة الفعلية للمنطقة الصناعية كانت مع تأسيس معمل «الليسيكو للرخام والادوات الصحية» عام 1959، الذي كان وما زال المصنع الأضخم في المنطقة، إذ يعمل فيه مئات الموظفين وتقدّر مساحته بحوالى 60 ألف م2.


يؤكد الحرفيون الطرابلسيون أن الأتراك ينافسونهم ويقلّدون نماذجهم


مع نجاح تجربة «الليسيكو» تكاثرت المصانع والمعامل لتعرف المدينة الصناعية في كفرشيما مرحلتها الذهبية خلال ستينيات وأوائل سبعينيات القرن الماضي. لكن اندلاع الحرب الأهلية عطّل مصانع كفرشيما كحال كل البلاد آنذاك، لتعود المنطقة الصناعية إلى العمل فور انتهاء الحرب وإن بصورة مختلفة. فالعديد من المصانع لم تفتح أبوابها مجدداً، إضافة إلى اندثار بعض الحرف القديمة، لكن التغيير الأكبر تمثل في الانتشار السريع لظاهرة كاراجات السيارات إذ يفوق عددها اليوم المئة والعشرين.
واللافت في المنطقة الصناعية أن قسماً من ملكية أرضها يعود إلى دير مار أنطانيوس ــ كفرشيما الذي قام بتأجيرها لعدد من أبناء المنطقة من خلال عقد طويل الأمد، إذ إن الأديرة ممنوعة من بيع أرضها. وقد قام هؤلاء المستأجرون ببناء المحلات وتشييدها والاستثمار فيها، كما أنشئ بعض المحالّ ضمن مشاعات الدولة وعلى ضفاف نهر الغدير لتتم لاحقاً تسوية أوضاع المحلات المخالفة.

كاراجات السيارات

داخل كاراجات المنطقة الصناعية يخوض الميكانيكيون صراعهم مع الوقت. فإلحاح الزبائن على سرعة الخدمة لا يتوقف، والعمل كثير. ينهض عبدو من تحت السيارة التي يصلحها، ينفض الغبار والشحم عنه، يتنهد ويقول: «هالشغلة بتقصّر العمر». عبدو هو ابن كفرشيما، ويلاحظ أن المنطقة الصناعية «باتت مقصداً لأهالي الجوار كالشويفات وودادي شحرور والعمروسية الذين اعتادوا إحضار عربياتهم لإصلاحها هنا». وهذا يعني أن المدينة الصناعية «تؤمن مئات فرص العمل لأبناء كفرشيما والمنطقة»، مؤكداً في الوقت عينه مساهمة هذه المدينة في انتقال العديد من العائلات البقاعية والجنوبية للسكن في كفرشيما للبقاء قرب المعامل التي يعملون فيها. ورغم عدم نفي عبدو الأضرار البيئية الناتجة من وجود المصانع في البلدة، يؤكد أن الأضرار تبقى ضئيلة نظراً إلى ابتعاد هذه المصانع عن الأحياء السكنية.
في كاراج آخر يذكر فارس، الذي يعمل في مجال الميكانيك منذ عشرات السنوات، أن ميزة المدينة الصناعية تكمن في «توفيرها مختلف الخدمات المتعلقة بالسيارات. فإضافة إلى محلات الميكانيك توجد محلات حدادة السيارات ومحلات بيع الدواليب وقطع غيار السيارات»، مضيفاً أن «التخصص في طريقة العمل يخفف من وطأة التنافس بين المحلات المتجاورة، لذلك ثمة ورش تصليح تختص بالسيارات الألمانية، فيما ينحصر عمل ورش أخرى بالمركبات الأميركية». لكن هذا الاختلاف لا يلغي حقيقة وجود قواسم مشتركة، فأغلب الكاراجات مثلاً تعمد إلى تشغيل مراهقين لا تتجاوز أعمارهم الثامنة عشر عاماً كمساعدين، وإن كانت مهماتهم تنحصر في تأمين العدة وترتيب المحل واكتساب الخبرة للمستقبل.
يخبر علاء (17 سنة) أن شغفه بعالم السيارات دفعه إلى دخول هذا المجال، لكن أكثر ما يزعجه هو النظرة الخاطئة للناس حول هذه المهنة واعتبارها من وظائف الفئة العاشرة «رغم أن مردودها المالي يعتبر جيداً» بحسب علاء الذي يشرح الصعوبة التي واجهها في إقناع والديه بالسماح له بالعمل داخل الكاراج.

الاختلاط الصعب

بين الخامسة والسادسة عصراً تزدحم طرقات كفرشيما ليس بالسيارات فقط، بل بالعمال الخارجين من أشغالهم بعد نهار عمل طويل. يخرج العمال كمجموعات منفصلة، السوري مع السوري والهندي مع ابن بلده. تبادر إلى مجموعة عمال هنود لتسألهم عن طبيعة وظروف عملهم، فيسارع أحدهم إلى إبراز أوراقه الثبوتية ظناً منه أنك تستجوبه. وبعد تفهم طبيعة اللقاء، يشرح العمال الذين يقيمون في مكان عملهم نفسه، أي داخل المنطقة الصناعية، عن ظروف عملهم الصعبة، لكنهم يستدركون بأن ذلك هو أفضل الممكن. بدوره يعبّر العامل العراقي سامر عن راحته بالعمل في كفرشيما والإقامة في أحد أحيائها السكنية، خصوصاً أنه استطاع إنشاء علاقات مع جيرانه وإن لم ترق هذه العلاقات إلى مستوى الصداقات المميزة.
في كفرشيما لن يكون صعباً ملاحظة الجهد والتعب الذي يبذله العاملون في المدينة الصناعية، كما لن يكون صعباً ملاحظة الجملة التي كتبت على جدران أحد المعامل والتي تقول: «بتحبّ كفرشيما... حبّ صناعتها».