بعدما أمضى ثلاثين سنة من حياته في الماء، يصطاد ويمارس التزلج ويشارك في بطولات السباحة وقائداً لفريق كرة الماء، وباحثاً عن أي عذر يبقيه قريباً من البحر، تنامى عند والدي رعب هوسي من تعلّق أحد أولاده بالبحر. هو الذي أمضى حياته على البحر، ثائراً على عائلته، لم يكن يحبّ أن يكرّر أحد أولاده هذه التجربة معه كأن يرث شغفه ويلهيه عن بناء حياة يقال إنها «الأنسب».


صغيرالعائلة، كان والده مالكاً لأحد أكبر المسابح في لبنان، ما جعل سهلاً عليه التخلي عن كلّ شيء في مقابل «الاستيلاء» على «شاليه» صغير ومركب صيد وعتاد كامل ونادر لأدوات الصيد يتضمن شِباكاً و«قناني غطس» ومسدسات مائية. وفي وقت لاحق، صار يصنّع الديناميت بنفسه من القذائف غير المنفجرة التي كان يعثر عليها، أو يقدّمها له عناصر من الجيش اللبناني مقابل «أكلة سمك». كلّ هدفه كان أن يغزو البحر.
هذه الصورة لوالدي هي التي جعلته في ذهني دوماً ذلك الشاب الوسيم، الذي لوّحته الشمس، ممتشقاً مسدسه فيما يثقل السمك كتفيه، ممثلاً لي صورة عن الرجل الذي أطمح أن أكونه. مرّت سنوات طويلة قبل أن يعترف لي أنه يندم على كلّ سمكة اصطادها، مكملاً اعترافه بالقول إنه يتمنى لو كان قد امتلك كاميرا عوض المسدس، وصوّر كلّ لحظة بدل قتل الأسماك.
واعتراف أبي له أهميته، وهو «الرائد» في عالم البحار والصيد. فقد أدخل طرائق جديدة للصيد مثل استعمال الضوء ليلاً، ضارباً بعرض الحائط القوانين التي ماتت مع بداية الحرب. حتى أنه كان يتباهى أنه أكثر من علّم وأعطى شهادات في الغطس. قائلاً لي، وبفخره المعهود، إن معظم من يعلّم الآن كانوا تلامذته. غافلاً أنه جعلني تلميذه في مدرسة إدمان البحر. وكانت هذه «سقطته» الوحيدة، كما يراها. إذ نقل إليّ من دون أن يقصد حبّ البحر وأورثني جينات حاول بالعنف احياناً، أن ينزعها مني خصوصاً عندما التفت إلى أني أعيش في انتظار فصل الصيف وانتهاء المدرسة. وللمفارقة أن مدرستي كنت تجاور البحر، وتملك ميناء صغيراً خاصاً بها، إضافة إلى بركة كنا نسبح فيها، فكان هذا سبباً لامتعاضه ومحاولته نقلي منها.
وعندما لم ينجح، أطبق عليّ. فحدّد لي دواماً عسكرياً، قسّم بموجبه الأيام والساعات التي يسمح لي خلالها بالتوجه إلى البحر. كما ألزمني بنوع معيّن من الرياضات، ومنعني من استعمال المسدس قبل سن الثالثة عشرة، مغفلاً أنه بذلك، صنع أحد أمهر صيادي القفص في المنطقة. لكن أكثر ما كنت أبغضه في قوانينه، هو عدم السماح لي بالتوجه إلى البحر قبل إنهاء الفروض المدرسية الصيفية.
على الرغم من ذلك، وبينما كان أبناء جيلي يكتشفون المطاعم والملاهي، والجنس الآخر، كنت مشغولاً بتعلّم الغطس، وإطالة النفس، وكيفية التفاعل مع الحياة البحرية بكل ما تحويها من أسرار. وكان اللقز والسلاحف والسلاطعين والمواسطة، الكركند، وحتى الأعشاب البحرية، الأصدقاء الوحيدين الذين أستمتع برفقتهم.
وكلما كبرت، كان هذا الهوس يزداد عندي، ويزداد معه غضب أبي عليّ وعلى نفسه لعدم قدرته على علاجي من هذا «المرض». أخيراً، وفي محاولة يائسة منه لإنهاء هذه «الملحمة»، التي تدخل فيها كلّ ّأفراد العائلة، أجبرني على إيجاد عمل خلال فترة دراستي في الجامعة، فما كان مني إلا أن وجدت وظيفة في أحد متاجر تجهيزات الغطس وصيد السمك.
مرّت السنون، وتغيّرت الأولويات، وبات العمل يستهلك جزءاً كبيراً من وقتي لكن، ومن دون أي شك، ستبقى كلّ نهاية اسبوع وأي لحظة فراغ تجدني على البحر. حتى لمجرد الاستمتاع برؤية الموج. التغيير الوحيد الذي حصل، إدراك والدي ولو متأخراً أن تربيته لي أثمرت.
شغفي بالبحر ولّد عندي حباً له ولمخلوقاته. صار يسمع بالجهود التي بذلتها لحماية الحياة البحرية، من حملات ولقاءات مع وزراء معنيين، إلى مبادرات فردية مثل تمزيق الشباك غير الشرعية (التي لا يطابق حجمها القانون) وتصوير مستخدمي الديناميت، ما أثبت له أن إدماني على البحر قد تخطى الصيد إلى الحماية وإدانة ما كان يرتكبه هو سابقاً وندم عليه. اعترافه لي ذلك اليوم بندمه كان الدرس الاول الذي تلقيته لكي أجعل من الدفاع عن الحياة البحرية قضية تشغلني.
اليوم، أستمتع وأبي بتبادل قصص «بطولاتنا»، من أكبر سمكة اصطدتها إلى آخر «جرو انتييس» نجا من مسدسي، ولو بعدما أكل الطعم... لن أنسى ما قاله لي عندما لاحظ تأثري لأني لم أتمكن من ذلك الجرو، إذ طلب مني الاكتفاء بتقدير ما أعطاني إياه البحر من عيش بضع لحظات مع مخلوق يندر أن يُرى.
سأبقى أستمتع عندما نتشارك خوفنا على البحر وطبيعته، وأقدّر كثيراً رؤيته يهزّ برأسه موافقاً على مخاوفي من أن تؤدي كثرة الصيد والتلوّث إلى خنق آخر أنفاس شغفنا.
أبي...
كلّما أشعر باليأس وعدم القدرة على تغيير الواقع سأذكر جوابك لي عندما أخبرتك أنهم قتلوا «فقمتنا» قبل بضعة أسابيع. بغضب، وبثقة أيضاً، قلت لي دافعاً إياي إلى العمل: «شو رح تعمل، رح تبقى قاعد؟».