خفت ألق السوريين في الحمرا، وربّما صارت أماكنهم شاغرة في مقاهي الشارع البيروتي المعروفة. رحل عدد كبير منهم إلى تركيا، وانكفأ آخرون بحثاً عن سبل لمقارعة المدينة الفاحشة الغلاء. هكذا، اختلفت يومياتهم عمّا كانت عليه قبل سنتين. مع ذلك، هناك من يبحث عن مساحة ضئيلة تعيده إلى دمشق أيام زمان، وهؤلاء لن يجدوا أفضل من حانة «رام». بمجرّد أن تنحرف عند أوّل زاروب ضيق في بداية الجهة اليمنى من شارع الحمرا مقابل «فرنسبنك»، ستجدنا. نسمع هذه الجملة تترّدد على ألسنة روّاد «رام»، وهم يدلون صديقاً وصل لتوّه من دمشق، أو عاد أدراجه خائباً من تركيا.


إلى الحانة المتواضعة التي يجتمع فيها شعراء وصحافيون وممثلون وعازفون سوريون شباب يصبغون الليل ببصمتهم الفنية الخاصة. قصدنا المكان لسهرة عادية، وإذا بجلبة استثنائية تدور أمام المطعم. اقتربنا أكثر، فلمحنا المخرج والممثل رامي حنا بصحبة النجوم عبد المنعم عمايري ومكسيم خليل وكاريس بشار، فعرفنا أننا أمام مصادفة زيارة موقع تصوير مسلسل «غداً نلتقي» (كتابة إياد أبو الشامات ورامي حنا الذي يخرج المسلسل وتنتجه شركة «كلاكيت»). الجهة المنتجة أرادت حجب كامل أخبار عملها وصوره عن الصحافة، في انتظار عقد مؤتمر صحافي كبير بالتنسيق مع المحطات التي ستعرضه، ويتوقع أن تكون mbc و«أبو ظبي».
تحت الأمر الواقع، رحّب بنا نجوم العمل، فرحنا نلاحق المخرج وهو يجاهد آلام الديسك حاملاً نصّه بين يديه ليعيد قراءة المشهد بتمعن قبل البدء بتصويره. يمشي منفرداً للحظات، قبل أن يتفقد جاهزية مساعديه ويصرخ «هدوء... تصوير». هنا، ينبثق صوت عبد المنعم عمايري بجمل شعرية رديئة كتبها على منديل أبيض، أو يفاجأ وهو غارق في السكر بأنّ أخاه (مكسيم خليل) جلس بقربه على البار. في زحمة العمل، يقول لنا حنا إنّ «المسلسل بانوراما إنسانية تشتبك مع أحوال اللاجئين السوريين في بيروت، من دون التطرّق إلى تداعيات الحرب والمعارك».


يتوقّع عرضه على mbc
و«أبو ظبي»


إذاً لا وجود للسياسة نهائياً في حوارات الشخصيات؟ يجيب: «ليس بهذا الشكل الدقيق، لكن شخصياتنا منكبة على الاهتمام بواقعها الجديد ومستقبلها الغامض. يمكن أن تمر الحوارات السياسية كما في أي جلسة بين مجموعة سوريين، فلا يمكنهم نسف ما يجري في بلادهم».
عند الحديث مع غالبية نجوم العمل وكل من اطّلع على النص، يبدي هؤلاء تفاؤلهم بسويّته، ويؤكدون أنّه سيكون له وقع «مدوٍ»، كذلك سيعيد الدراما السورية إلى الواجهة ويلفت الأنظار إلى نجومها بشكل مختلف. انطباع لم يولد لدى رامي حنا سابقاً عندما قال لنا «إنّه محاولة عادية ومسلسل لا بأس به» (الأخبار 10/3/2015). يضحك قبل أن يعلّق، ثم يشير إلى أنّه «لا تعتقد أنّه تواضع، بل أجبت بهذه الطريقة لأنّي أقيّم الأمور بهذا المنطق البسيط حالياً، ولم يخلق لدي الانطباع الذي وصلكم، لكن يبقى الأمر معلقاً لحين العرض».
من جانبه، يملأ النجم عبد المنعم عمايري المكان بطاقته وحضوره المميّزين. نتمنى له السلامة لوضعه رباطا طبيّاً على يده، إلا أنّه يوضح أنّه أكسسوار لزوم الشخصية، قبل أن يحكي لنا بحب واضح عن شخصيته التي عايش أشخاصاً يشبهونها في الحياة: «أجسّد دور شاعر وصحافي سوري نزح إلى لبنان بسبب مواقفه المعارضة، لكنّه معارض معتدل يحمل كل المبرّرات والدواعي والأسباب المنطقية من قمع وتسلط وغيره لتجعله يتبنى هذا الموقف. يجرّب في لحظات القهر أن يعود إلى بلده، لكنّه يكتشف أنّه مطلوب من الجهات الأمنية فيستمر في حياة الصعلكة».
من ناحية ثانية، يخبرنا عمايري أنّه لدى هذا الشخص شقيقاً هو مكسيم خليل، يختلف عنه جذرياً في المواقف، ويعاني الاثنان من مرض السكري، لذا «أعاني من ألم في الكليتين نتيجة إدمان الكحول، وتسافر زوجتي إلى الولايات المتحدة بحثاً عن مكان آمن. هناك، تخونني مع رجل آخر، وتحاول فتح صفحة جديدة، لكنّها تترك في داخلي وجعاً».
وماذا تفعل كاريس بشار في موقع التصوير؟ يجيبنا النجم السوري بأنّها «تجسّد دور امراة بسيطة جداً تعمل في تغسيل الأموات. يلتقيها الشخص الذي أجسّد دوره مصادفة، فيعلّق على جمالها بلغته الشعرية ويمضي غير آبه بأنّ المرأة تعلّقت به بعد كلام من هذا النوع تسمعه للمرّة الأولى. غير أنّها في النهاية تتزوّج بآخر، وتعترف له بحبها عندما يقتحم زفافها وهو سكران، ويلقي الشعر وتسير به الأمور إلى نهاية صادمة نتيجة الخيبات المتلاحقة».
أما مكسيم خليل، ففقد شيئاً من وزنه من أجل الشخصية، ويقول لنا إنّه أطلق لحيته أيضاً لتتماشى شكلياً مع شاب عصامي يعاني من مرض ويعمل في بيع أقراص مدمجة في الطريق كي يعيش بسلام. من جانب آخر، يوضح بطل مسلسل «حلاوة الروح» أنّه تفرّغ كلياً لهذا العمل، خصوصاً أنّ «هناك مفارقة كبيرة أمامي، لكوني أجسّد شخصية نازح سوري موال للنظام. لذا سيكون أمامي تحدٍّ على مستوى التمثيل، بما أنّني أجسد شخصية غريبة عني تماماً. وهو ما حرّضني وشجّعني على تجسيد هذه الشخصية. وما رغبت فيه هو إيصال رسالة مفادها أنّني أستطيع أن أقول وجهة نظر الآخر».