على إحدى ضفاف نهر أبو علي في مدينة طرابلس، وفي محل لا تتجاوز مساحته الثلاثة أمتار، يواصل وليد الحاج ممارسة الحدادة العربية التي بدأها منذ 55 سنة. يعتبر «أبو أحمد» نفسه «أقدم حرفي على قيد الحياة ما زال يمارس الحدادة العربية اليوم». ابن الثلاثة والسبعين عاماً، ورث المهنة عن والده، بعدما بدأ هذه «المصلحة» في الثانية عشرة من عمره.


يقول «أبو أحمد»: «فيك تسميني شيخ الكار لأني اقدم واحد»، واصفاً مهنته بـ«الهدّادة» بدلاً عن حدادة «لأنها بتهد عنتر».
على الرغم من ذلك، علّمها لأبنائه الذين لم يجدوها جذابة فعملوا في التجارة. أحدهم كان يعمل معه، وكان يقول له كلما شعر بالتعب «كرمال الله كحشني»، لأنها «مهنة صعبة وتحتاج إلى الكثير من الجهد». وربما لأنه تعب فيها كثيراً، لم يعد مستعداً للتخلي عنها: «لا أترك هذه المهنة حتى أموت، وهي باقية طالما يوجد فلاحون يحتاجون لأدواتهم». كما يرغب في إنتاجه متذوّقو الجمال «لأن مصلحتنا فن وبتعملها متل ما بدك، ويحبها الناس لأننا ننتج بضاعة أجمل من تلك التي تنتجها المصانع». وعلى الرغم من وجود منتجات أجنبية أرخص من بضاعته، إلا أن هناك من يصرّ على الشراء منه: «شاكوشنا ثمنه خمسون ألف ليرة لبنانية، والصيني موجود بأربعة آلاف ليرة. أعطهم إياه مجاناً لا يأخذونه». وعن الشرائح التي ما زالت تقصده يلفت إلى أن زبائنه يأتون من مختلف القرى المجاورة، وخاصة الفلاح والمعماري. «كل شي بيخصّ الفلاح بيخصنا، وشريحة الزبائن واسعة. زبائني من كل الشمال وعكار وجونية. وأحياناً يقصدني أشخاص ويشترون قطعاً يرسلونها إلى أميركا واستراليا».
«أبو أحمد» راض عن الدخل الذي يحققه «لأن حرفتنا مربح بلا رأسمال. الحديد تقريباً ببلاش. رأسمالها الجهد والتعب والعرق، يعني موت أحمر. في شغل خير الله بس بدك جسم من بولاد وهمة قوية». يشتري الحاج الحديد والمواد الأولية من «ورش الفرط والكسر وقطع الاكسسوار المستعملة والخردة. نشتري منهم الحديد بسعر منخفض، ونقوم بدقه بأيدينا وتجليسه وتليينه على النار وتشكيله». ويعدّد بعض الأدوات التي يصنعها «القدوم، الشاكوش، الفراعة، البلطة، المعدور، مجرفة شوك وازاميل للباطون، وادوات البناء». وعن الفترة التي يستغرقها إنتاج قطعة، يقول، مثلاً، «إن تصنيع منجل بدو ساعة نص دق (طرق)».
يذكر الحرفي سبباً إضافياً لجذب الزبائن وتنشيط العمل، وهو ترميم القطع التراثية أو تقليدها. يقول: «أحياناً يقصدني أناس يحتاجون إلى قطعة اثرية، أو سكة فلاحة مماثلة للقديمة. لا نزال نصنّع القطع متل ما كانت منذ مئات السنين، وكثيرون يعتّقونها بالوحل او التراب ويفاخرون بأنهم اشتروا قطعة تراثية. هذه القطع بتنهدى للملوك». بالنسبة إلى «أبو أحمد»، كلّ عمله «آثار».لأن «كل شيء قديم يتجدد، أحياناً أساهم في ترميم الآثار. والحمد لله لا شيء يصعب عليّ. استطيع أن أصنع أي شكل يطلب مني، فالحديد عندما يحمّر أصبح قادراً على تشكيله كما أريد».
لم يلحظ الحاج أي تطور في مهنته: «العمل الذي أقوم به اليوم هو نفسه الذي كان يقوم به الحرفي منذ مئات السنين». الشيء الوحيد الذي قام بتغييره منذ بدء العمل يتعلق بآلة النفخ، فقد كان يستعمل «الكير اليدوي» لنفخ النار، أما اليوم فبات يستعين بالكهرباء لأن تدوير الكير باليد متعب «الصبي كان يموت وهوي عم يدورها، فمديت اشتراك لمنفخ الهواء» مع محافظته على القديم للحالات الطارئة.
لكن هذه الحرفة، التي ترافقه أحياناً إلى بيته، تسببت له مؤخراً بتمزّق في العضل ما جعله يشعر بوجع في يديه لدرجة أنه يتألم كثيراً عند شدّ اللحاف اليه. يقول: «ما خليت صورة وحكيم». يخشى أن يكون العلاج هو الجلوس في المنزل لانه لا يعرف كيف يمكن أن تكون الحياة عندها. ما لم تعلّمه إياه المهنة هو التحكم بأعصابه. الرجل الذي «يليّن» الحديد لم ينجح في تليين أعصابه «لكن قلبي ابيض، فليعذرني من يعرف أنني أقف في عملي من السابعة صباحاً حتى الرابعة مساء».