على بعد أمتار من متحف المشاهير، وقبل أمتار من مغارة جعيتا، حركة لا تهدأ تمهيداً لفتح الأبواب أمام متحف جديد في المنطقة: متحف الحياة البرية والبحرية. أكثر من ألفي حيوان وحشرة وحجر ونجمة ستكون معروضة لروّاد المتحف، بشكلها الأصلي كما حافظ عليه الطبيب الاختصاصي في تقويم الأسنان جمال يونس.


كبر يونس في مدينة صور، حيث كان «البحر ملعب الطفولة». هناك تعلق بكلّ ما يمتّ للبحر بصلة. سبح فيه، وغطس، واصطاد. حفظ تفاصيله، وتفاصيل الكائنات التي تقيم فيه، وصار يشتاق إليه خصوصاً عندما سافر إلى رومانيا لمتابعة دراسته. هناك كانت تخطر له أفكار عن طريقة تتيح له اصطحاب ما يشتاق إليه في سفرياته معه، لكنه لم يشعر بأنه قادر على تحقيق الأمر إلا عندما دخل لأول مرة صف التشريح في الجامعة التي كان يدرس فيها. عندما شاهد كيف يمكن التعامل مع الجسد، والمحافظة على أعضائه، ردّد أمام نفسه: «وجدتها». قرّر أن يتعلّم تحنيط الحيوانات، وهذا ما فعله في رومانيا على يد أستاذ علّمه تحنيط الحيوانات البرية، ليعود إلى لبنان وهو يحمل شهادتين: تقويم الاسنان وتحنيط الحيوانات.
لكن ابن البحر لم يكتف بتحنيط الحيوانات البرية، بل بادر بنفسه إلى اكتشاف طرق تحنيط الحيوانات البحرية، وهو أمر نادر. «هناك صعوبة في تحنيط الأسماك بسبب حساسيتها. لا يمكن المحافظة على لونها وتماسكها كما يحصل مع غيرها من الحيوانات البرية». ابتكر طريقة خاصة به، وجعلها سرّ المهنة «هذا أمر لا يعرفه إلا أنا وأولادي».
مجموعة من الصدف جعلت يونس ينجح في مهمته «ولادتي في صور، علاقتي مع البحر، دراستي لطب الاسنان تحديداً لأنه يعرّفني إلى الكثير من المواد الكيميائية المناسبة، وعمله الذي ساهم في تمويل المتحف» ويضيف إليها «عيني وملاحظتي».
منذ البداية كان يونس يعي أهمية افتتاح متحف، خصوصاً بعد مشاركته في معارض لفتت فيها أعماله أنظار المهتمين. افتتح متحفه الشهير في صور، الذي زاره آلاف تلاميذ المدارس من مختلف المناطق اللبنانية. لكنه كان يلتفت دائماً إلى ملاحظة مدوّنة على دفاتر الزوّار تتمنى لو أن المتحف كان في مكان وسطي يجمع المناطق اللبنانية. كما تكرّر ذكر منطقة جعيتا أمامه «وأنا لم أزر جعيتا إلا عندما كنت في المدرسة، في رحلة إلى مغارتها». قرّر المغامرة، وقصد المنطقة باحثاً عن قطعة أرض في المكان. لعبت الصدف دورها، واستطاع أن يشتري أرضاً مساحتها 7 آلاف متر، ليبني متحفه عليها. باع كلّ أملاكه، وأنفق مدخراته كلّها لكي يحقق مشروعه الحلم. لم يكن الأمر بسهولة الكتابة عنه، إذ واجه يونس العديد من المشاكل التي يفضّل عدم ذكرها. بنى أكثر من مرة وهدم قبل أن يستقرّ رأيه على النموذج الحالي لمتحفه: سفينة فينيقية من الباطون، يبلغ طولها 40 متراً، لها رأس حصان وذيل سمكة. أما المدخل فهو عبارة عن فم قرش عملاق. وتحمل هذه السفينة في قلبها نماذج لأكثر من ألفي حيوان وحشرة.
حفر يونس 13 متراً تحت الأرض، ليبني «أكبر مغارة صناعية في العالم» كما يقول. المغارة، التي تحاول ان تشبه مغارة جعيتا، قسمت إلى قسمين: بري وبحري. في القسم البري، نجد غابة الأدغال التي تضمّ الحيوانات البرية، والصحارى التي تضمّ الزواحف. وفي القسم البحري، نجد مغارة الحورية التي يتوقع أن تفاجئ الروّاد لما تتضمنه من كنوز البحر والأحجار، ومغارة النجوم، وصولاً إلى المغارة الرئيسية التي تحوي على معظم أسماك البحر المتوسط... أو تلك التي عبرت فيه.
لم ينته يونس بعد من ترتيب الحيوانات في أمكنتها، لكن يمكن رؤية سمكتي قرش كبيرتين، دلافين، مختلف أنواع الطيور، أفاع وقوارض، بالإضافة إلى الخنزير البري والذئب (الذي لم يعد موجوداً في لبنان) والضبع...
لكلّ من هذه الحيوانات قصته مع جمال. يتذكر اليوم الذي عثر فيه الصيادون في بحر صور على دلفينين عالقين في الشباك. «كانت الأنثى حاملاً، وأعتقد أنها هي التي علقت في الشباك وحاول ذكرها إنقاذها فعلق معها. لديّ الصور الاولى لهما، ويظهران دامعي العيون». في إشارة منه إلى حساسية الدلافين وارتباطها العاطفي ببعضها. كما لا ينسى يوم نفقت نسور البحر على شاطئ البحر لأن الصيادين لم يعرفوا أنه يمكنهم إعادتها إلى البحر لكي تعيش.
يهدف المتحف، بحسب يونس إلى «توعية المواطنين والهيئات الرسمية على أهمية الحفاظ على الأنظمة البيئية في لبنان. عندما سيزورون المتحف سيكتشفون الكنوز التي يحتضنها بلدهم، والتي يتوجّب عليهم العمل للحفاظ عليها».
يفتح المتحف أبوابه للزوار بشكل غير رسمي في 15 نيسان الجاري. وفي الانتظار، يسابق العمّال الوقت لإنجاز العمل في الوقت المناسب.




فقمة الدالية

خبرة الطبيب جمال يونس في مجال «هوايته» جعلته ملجأ كلّ من يجد أبواب المسؤولين المعنيين مقفلة. نهاية الأسبوع الماضي تلقى اتصالاً من الناشطين في منطقة دالية الروشة، لكي يفحص الفقمة الشهيرة التي نفقت مع جنينها. «هذه الفقمة ستكون آخر وأهم عضو ينضمّ إلى المتحف».