«ولكن، ما الصورة إذا جاء المعنى؟»

جلال الدين الرومي

كنت في السيارة مع أخي ومررنا أمام بيت طفولتنا في حي الراهبات في النبطية. كان بيتاً بسقفٍ منخفض، في طبقة سفلية من فيلا يملكها طبيب، هو شقيق زوجة عمي، أعارنا إياه لنسكنه بعدما هجّرتنا اسرائيل من قريتنا الجنوبية، وهجّرتنا الحرب الأهلية من ضاحية بيروت الجنوبية. هكذا أمضينا كعائلة، سبع سنوات في هذا البيت، شكلت طفولتي الكاملة، فيما أمضى أخي، الذي يصغرني بثلاث سنوات، أربعة أعوام من حياته في البيت، وبالكاد يذكر منه شيئاً. كان تأجيل الأمر مستحيلاً. لم اشعر أنني اقود السيارة، بل كانت هناك قوة ما تقودها. أظنها الرغبة أو شيئاً آخر لا يمكنني تحديده. لكن السيارة ركنت إلى جانب الطريق، وترجّلنا، بينما أخي يسألني مرتاباً: ماذا لو كان هناك أحد في المنزل؟ ثم أشار إلى سجادة ملقاة بإهمال على شرفة الطابق الثاني من الفيلا. لكنني لم أجب.

تقدمت من بوابة الحديد الكبيرة، ودفعتها بيدي، كمن يزيح سنوات، فانفتحت على ذكريات لم احسبني احتفظ بها بهذا الوضوح في ذاكرتي. بدا الدرج لي، وبدا في الأسفل ولدان يلعبان على المصطبة بدراجتين هوائيتين صغيرتين. ولوهلة ظننتني أرى سراب طفولتنا، مجسداً أمامنا، لكن سرعان ما تبدد السراب، ليظهر أنه حقيقة، حينما صعد الطفل الأدراج مسرعاً إلينا. فارتبكت وتداركت وسألت: هل هناك أحد في الدار؟ أجاب: وهو ينظر إلى الطبقة العلوية من الفيلا: ليس هناك أحد. أين أباك؟ سألته. هل انت وأخوك وحدكما هنا؟ فأجابني أن والده في الأسفل، ثم ركض ونزل الأدراج منادياً على أبيه.


لم يكن صدفة،
على الغالب، ذلك التماثل بين حالة الرجل السوري اليوم، وبين حالة أبي قبل 25 عاماً
مضت دقيقة وأنا أراقب الأشجار التي تطاولت إلى حد عجيب، وأدرت نظري إلى حيث ندهت لي الذاكرة: إلى بركة السمك الدائرية الكبيرة المرتفعة عن الأرض والمغطاة بألواح الزينكو. كانت لا تزال هناك على حالها. بجدرانها الإسمنتية، وهممت بالتقدم صوبها للتأكد من وجود أسماك بداخلها، فقاطعني صوت رجل من الأسفل، مرحّباً بنا.
حضر والد الطفل، ورحّب بنا. فبادرته على الفور بالسؤال عما اذا كان البيت لا يزال مملوكاً من أصحابه الأوائل، فأجابني بأنهم باعوه إلى شخص آخر، وأن شخصاً ثالثاً استأجره كبيت صيفي. وأنه سوري من درعا، مهجر من بلاده، ويسكن طبقته السفلية مع زوجته وولديه. لم يكن صدفة، على الغالب، ذلك التماثل بين حالة الرجل السوري اليوم، وبين حالة أبي قبل 25 عاماً. بدا الرجل مرتبكاً من أسئلتي، خصوصاً أنني رحت اسأل عن تفاصيل في البيت: «هل لا تزال هناك أسماك في البركة؟»، «هل المصطبة الدائرية قرب باب المطبخ لا تزال موجودة؟»، «هل شجرة الليمون السكّري لا تزال مثمرة في الجل الثاني من الحديقة؟»... لكنني أطفأت ذلك البريق الحائر في عينيه، حينما اخبرته، مستدركاً، أننا أنا وأخي كنا نقطن الطبقة السفلية من هذا المنزل، مع أمي وأبي، وأنه منزل طفولتنا، وأننا مررنا به، لإتمام مسألة ملحة، أجلناها مراراً.
دعانا إلى بيته في الأسفل، ولم أمانع طبعاً، بل سبقته للنزول على الدرج إياه، ووصلت إلى المصطبة حيث يلعب ولداه بالدراجة الهوائية. وآلمتني على الفور الندبة في أنفي، تلك الندبة التي سببها جرح بعدما طرت عن الدراجة الهوائية وسقطت اسفل المصطبة على وجهي. ونظرت إلى أبواب البيت ونوافذه، كانت لا تزال على حالها. وتذكرت أمي وهي تضع شرائط لاصقة حولها لحمايتنا من جنون صدام حسين الكيماوي، الذي كان ينوي ضرب وازالة اسرائيل من الوجود ذات يوم. تقدمت اكثر إلى حيث باب المطبخ، ورأيت المصطبة الدائرية هناك، كما كانت تماماً، وتذكرت حينما أتت كلبة ووضعت جراءها التسعة اسفل المصطبة، وتذكرت أبي كيف راح يضع الكلاب في صندوق السيارة لأخذها بعد أشهر إلى سوق اللحم في النبطية للتخلص منها، وكيف قفز الكلب الأسود من السيارة وعاد إلى البيت، فاحتفظنا به، وأسميناه «بلاكي». رحت أخبر أخي والرجل عن هذه التفاصيل التي حضرتني فجأة وتملّكتني كعطر أخّاذ. وأكملت نزولاً إلى الحديقة، إلى حيث نافورة المياه والبركة الزرقاء الصغيرة. ثم نظرت إلى أخي، وقلت له: لا يزال كل شيء على حاله. فابتسم عارفاً، أن المهمة، التي ظنناها صعبة، تبدو سهلة إلى حد لا يصدق. كان الرجل يرمقنا بنظرات مستغربة، حين تقدمت منه، ورحت اخبره عن المسألة الملحة التي دفعت بنا إلى بيت الطفولة بعد 25 عاماً. استخرجت من هاتفي الخلوي صورة قديمة، ثم أريتها للرجل. فهم على الفور. قال: هذه صورتكما، هنا، قرب النافورة. بالفعل، كانت صورتنا قبل 25 عاماً، أنا وأخي، أمام نافورة المياه. في النقطة نفسها التي نقف فيها الآن. ودفعت بالهاتف الخلوي إلى الرجل، بعدما جهزت له الكاميرا، وسالته أن يلتقط لنا صورة بالإطار نفسه، في المكان نفسه، الآن. ووقفنا أخي وأنا في الوضعية نفسها التي كنا عليها في الصورة العتيقة: يداه في جيبيه، ويدي اليسرى على خصري.

تركت ملعب
طفولتنا وأنا أنظر إلى الطفلين السوريين وهما يلعبان مكاننا، أنا وأخي. هل سيذكران حينما يكبران هذا المكان؟

والتقط الرجل مجموعة من الصور في محاولة مطابقتها مع صورة الماضي.
هل نجحنا بالمهمة؟ لم تكن الصورة بذاتها هدفاً، وإن كانت مغرية حقاً تلك المقاربة بين الزمان والمكان، بين الماضي والحاضر، بين صورة قديمة مستخرجة من نيغاتيف، وبين صورة رقمية بهاتف خلوي ذكي. كانت الصورة، بالنسبة لي، إنقاذاً للماضي، تجديداً له، استحضاراً للمعنى: معنى أن يتاح لنا، ولو بعد حين، أن نعود إلى طفولتنا. ان نكتشف أن «الوقت لا ينقضي» (وهو عنوان كتاب يجمع قصصاً قصيرة ترجمها الراحل بسام حجار) فيما طفولات كثيرين غيرنا تُمحى من الوجود، لا يبقى لها أثر حتى في الصور.
تركت ملعب طفولتنا وأنا أنظر إلى الطفلين السوريين وهما يلعبان مكاننا، أنا وأخي. هل سيذكران حينما يكبران هذا المكان؟ هل سيجدان صورة لهما تنقذهما من النسيان؟ هل يجدان بسمة ما، من هذا الحاضر المنقلب حتماً إلى ماض يمضي ويمضي ويمضي؟
على الغالب، ترسم الحرب مستقبلهما، كما رسمت ماضينا ومستقبلنا. على الغالب، لن تخرج بلادنا من النيغاتيف. لأن ثمة من فتح باب غرفة التظهير المعتمة، وبدل أن يتسرب الضوء إلى الداخل، ويفسد الصورة. تسربت العتمة إلى الخارج، وأفسدت الواقع.
على الغالب، لم تحترق الصورة... لكن البلاد احترقت.