عام 1872 انطلقت أول مباراة دولية بين اسكوتلندا وانكلترا برسم تكتيكي كانت سمته الكرات الطويلة، فلعبت انكلترا بمدافع واحد مع ظهيرين وسبعة مهاجمين، فيما اعتمدت اسكوتلندا استراتيجية (2-2-6). لكن المفارقة ان كل هذا الكمّ من المهاجمين لم ينجح بتسجيل أي هدف في تلك المباراة التي انتهت بالتعادل السلبي!

في أوائل القرن العشرين، اعتمد الانكليز أسلوب الهرم الهجومي المبني على مدافعين وثلاثة لاعبين في الوسط و5 مهاجمين (2-3-5)، واستمر اعتماد هذا الأسلوب الذي كان الأمثل في كرة القدم حتى عام 1925، اذ أمام تراجع معدلات التهديف في المباريات الذي سبّب تراجع شعبية هذه الرياضة، أُدخل تعديل جديد على قانون التسلل ليصبح كما نعرفه اليوم ومعه بدأت تُرسم صفحات جديدة في تكتيكات عالم المستطيل الأخضر.

أول أسلوب تكتيكي بارز بعد قانون التسلل الجديد عُرف بـ»دبليو أم» (3-2-2-3)، وقد اشتهر به فريق كريليا سوفييتوف السوفياتي، الذي سيطر من خلاله على بطولة الاتحاد السوفياتي بين عامي 1944 و1954، وقد اعتمد هذا الأسلوب بناءً على أسس علميّة، بحيث أصبحت إمكانية كسر مصيدة التسلل بعد القانون الجديد أكبر، ما يضع مساحات واسعة أمام المهاجمين، فاستوجب إقفال هذه المساحات زيادة عدد المدافعين.
بعد السوفيات، فجّر المنتخب المجري بين عامي 1952 و1954 مفاجأة بمراكز لاعبيه في الملعب، فالمنتخب الذي حاز ذهبية الألعاب الاولمبية ووصل إلى نهائي كأس العالم عام 1954 قبل أن يسقط امام ألمانيا بنتيجة 2-3، كان أول فريق في العالم يعتمد على ثلاثة مدافعين في الخط الخلفي وأربعة مهاجمين (3-2-1-4)، وقد نجح عبر هذا الأسلوب بإقفال منطقته وتغطية ضعف قدراته المهارية الهجومية بلعب الكرات الطويلة.

البرازيل تنسخ المجر

التكتيك المجري اعتمده المنتخب البرازيلي في كأس العالم 1958 وفاز به مع «الملك» بيليه باللقب، لكن غياب الأخير عن المونديال عام 1962، ألزم منتخب «السيليساو» مع مدربه أيموري موريرا ابتكار أول استراتيجية (4-3-3) في تاريخ كرة القدم، التي كانت تتحول إلى (3-4-4) في الحالة الهجومية مع سقوط زاغالو من خلف المهاجمين إلى منطقة الجناح، وتقدّم أحد لاعبي الدفاع إلى خط الوسط لإحداث التوازن بين الخطوط.


العلم حمل الكرة من اللعب بستة مهاجمين إلى خطة تخلو منهم

هذا العمل على إقفال المساحات وتقريب الخطوط، كان يمنح المنتخب البرازيلي سرعة في استرجاع الكرة، لينطلق مجدداً إلى الهجوم.
الأسلوب الهجومي البرازيلي لم يرق المدرب الارجنتيني هيلينو هيريرا الذي أحرز مع فريق انتر ميلانو الايطالي بطولة الدوري ودوري أبطال أوروبا مرتين على التوالي بين عامي 1963 و1965، فكانت الجملة الشهيرة لمبتكر «الكاتيناتشو»: «كنا نفوز من دون أن ننزل من الحافلة». وكان يقوم الرسم التكتيكي للفريق الثاني في مدينة ميلانو على اللعب بأربعة مدافعين إضافة إلى لاعب «ليبيرو» (1-4-4-1) أو (1-4-3-2). و»الكاتيناتشو» تعتمد في جزء اساسي منها على عودة لاعبي الوسط إلى الخلف لإقفال المنطقة بتمركزهم أمام المدافعين وتمنح حرية الانتقال للاعب «الليبيرو» ليكون مدافعاً مساعداً حيثما تكون الكرة. وتتسم هذه الخطة بأسلوب قتالي من قبل اللاعبين في الملعب، لكن ما يُغفل في هذا التكتيك هو اعتماده على المساحات التي يتركها خلفه، ما يجعل الكرات الطويلة المرتدة عنصراً فعّالاً.

المدرسة الهولندية

رغم النجاحات القليلة لمنتخبها، ما زالت المدرسة التي ابتكرها الهولنديون مع يوهان كرويف والمدرب رينوس ميتشيلز تطور اللعبة يومياً. لقد كانت الكرة الشاملة برسم تكتيكي اساسي قائم على استراتيجية إما (4-3-3) أو (1-3-3-3) يتخللها تبادل دائم للمراكز يسمح بالدفاع والهجوم بكامل لاعبي الفريق وايصال الكرة إلى المرمى بأسرع وأدق طريقة ممكنة. منتخب هولندا اعتمد أسلوب الكرة الشاملة المرتكز على خلق المساحة الواسعة والانتشار العميق ولعب الكرات الأمامية التي غالباً ما كانت تصل إلى اللاعب وأمامه مساحة لا تقل عن 12 متراً، فتمنحه القدرة على نقل وضعية الفريق بالكامل من الدفاع للهجوم.
وفي الوقت الذي اعتمد فيه الهولنديون على العمل الجماعي، ألزم وجود دييغو مارادونا مع منتخب الأرجنتين اعتماد الفريق لأول خطة (3-5-2) في كرة القدم في عام 1982.

قوة المنافسة بين البلدان المتخلفة حتّمت تطور استراتيجيات الكرة بسرعة
والتكتيك الذي يعتمد على خمسة لاعبين في خط الوسط كان يقوم على مهارات مارادونا وقدرته على الانطلاق بسرعة بالكرة من الخلف، وبالتالي خلق الفرص لزملائه.
وهنا تم رسم التكتيك على أساس لاعب مفتاح في الفريق بدلاً من رسمه على أساس 11 لاعباً، فكان المنتخب كلّه في خدمة مارادونا لا العكس.

في العصر الحديث

ولم يكن ما اعتمده المدرب فيسنتي دل بوسكي مع المنتخب الاسباني اي خطة (4-6-0)، سوى نسخة منقحة عن (4-3-3) فريق برشلونة مع المدرب بيب غوارديولا.
فقد قامت فلسفة القائد السابق للفريق الكاتالوني على اعتماد أسلوب الكرة الشاملة من جهة والضغط العالي من جهة ثانية، وقد نجح برشلونة بتحويل مفهوم أفضل طريقة للدفاع هي الهجوم إلى أفضل طريقة للدفاع هي امتلاك الكرة وإرهاق الخصم واقتناص فرص التسجيل. فحين يخسر «البلاوغرانا» الكرة ينقض لاستعادتها، وعند استعادتها عبر تضييق المساحات، يعود الفريق لينتشر في الملعب من خلال توسيع المساحات في الحالة الهجومية، معتمداً على تغيير المراكز.
فعلاً، لقد نجح الفريق الكاتالوني منذ عام 2008 بإدخال فلسفة جديدة على كرة القدم، لم ينجح بكسرها إلا «باص» البرتغالي جوزيه مورينيو في عام 2010.
حينها نجح انتر بالفوز على «البرسا» تحت وابل من الاتهامات لمورينيو بأنه يدمّر كرة القدم، فتكتيك «السبيشال وان» (4-1-2-1-2) الذي يتحول إلى (5-4-1) في أغلب أوقات المباراة وبات يُعرف بركن الباص (أي الحافلة) أمام المرمى، تُضاف إليه القساوة باللعب والروح القتالية العالية، وهو يعمل على تضييق المساحات بوجه لاعبين مهاريين، وبالتالي القضاء على أي إمكانية لتفوق المهارة على القوة البدنية في الملعب.
«كرة القدم بسيطة، إلا أن الأصعب هو لعب كرة قدم بسيطة». هكذا يصف «الهولندي الطائر» يوهان كرويف اللعبة الأكثر تشعّباً التي تزداد خططها تعقيداً، فأن تقود فريقاً كبيراً اليوم يعني أنك قررت أن تكون لاعب شطرنج بشكل متواصل، لكن مع مشكلة أكبر، هي أن حجارتك من البشر.