وسط زحمة الحياة، يجد مازن (21 سنة) وقت فراغ يربط بيّن ساعاته الدراسية في الجامعة ودوام عمله في المساء. يتوجه خلال ساعة الاستراحة عادة الى مكان يتناول فيه الغداء، الا انه وفي يوم واحد في السنة يستبدل الطبق الساخن بسندويش سريع ويذهب صوب محال الورد بسرعة.


هناك، يستقبله محمود، وهو لم ينسه على الرغم من زيارته له مرة واحدة كل عام. «كيف أنسى شاباً له أربع أمهات؟» يردد البائع. يطلب مازن «أربع ورود»، جميعها باللون نفسه والغلاف عينه. لا يميّز بينهن. هو ابن رندى بيولوجياً، عاش داخل رحمها مدة تسعة أشهر. هو أيضاً ابن مريم جدته أم والده، فصوفيا جدته أم والدته، وكاميليا جارة بيت الطفولة الذي ترعرع فيه». هكذا يعرف عن ذاته «أنا مازن، ابن الأربع أمهات». اختار هذا الشاب أن ينادي النساء الأربع بكلمة «ماما». وجد في جدته مريم حناناً وحباً عميقين ربطاه بها. كانت تميزه عن غيره من أحفادها. «مازن ذكي، مازن الحياة» تُعلّق لدى وصفها شخصية حفيدها. أما هو فيقول: «كيف أنسى جدتي التي منها أتى أبي وتزوج أمي ما خلص بثمرة حب يجسدها وجودي؟». يزور مريم أولاً، اذ انها الأكبر سناً بينهن. تفاجأت في السنة الأولى التي حضر اليها حاملاً وردةً خاصة به، يقدمها لها بصفة شخصية مستقلة عن والديه. أما اليوم، فهي تنتظره كما جرت العادة في كل عام، أي في صالون دارتها والى جانبها قطع تفاح أخضر مقشرة كما يحب. يتوجه من بعدها صوب صوفيا. في بيتها ترعرع. تركته والدته يومياً خلال طفولته في بيت جدته الذي تحول الى حضانة خاصة به. هنا هو التلميذ الوحيد، يطلب ما يشاء وجدته تنفذ. يسرد كيف انها نزعت طاولة غرفة الجلوس من مكانها لاستبدالها بسرير مخصص للأطفال لينام فيه أثناء قيلولاته الطويلة. يخبر كيف كانت تضع له البرامج الكرتونية المخصصة للأطفال على التلفاز وهي لا تملك سوى واحد في بيتها متنازلةً عن حقها في مشاهدة ما تريد كسائر النساء في عمرها. غابت عن متابعة نشرات الأخبار، وبرامج الصلاة الدينية والروحية كما المسلسلات الدرامية «كل هذا على شرفي». مضى أكثر من نصف ساعة من فترة استراحته. يقسم وقته مساواة بينهن أيضاً. يخرج من بيت صوفيا او مدرسته الأولى كما يصفه بعدما كرّرت جدته على مسامعه عبارات الدعاء والأمل بمستقبل مشرق له. عندها، يقف لحظة ويفكر «من أزور الآن؟». هل ينتقل الى أحضان أمه ويقدم لها الهدية أم يذهب إلى كاميليا؟ يختار الاحتمال الثاني، لا بل أكثر من ذلك يضحي ببعض الدقائق المخصصة لأمه من أجل هذه الأخيرة. تجمع بينه وبين جارته السابقة قصة استثنائية.
لا يعاني مازن من اشكالات او اضطرابات في علاقته مع أمه. يعشقها لا يحبها فحسب. انما شاء القدر أن تربطه مع النساء الثلاث الأخريات علاقة «أمومة». هو الذي ينظر الى الأمومة من زاوية استثنائية وخاصة.
يشرح: «أجمل شيء يبقى انتظار الأم لهدية ابنها في عيد الأم». لذا يتمسّك بهذا العيد ويعتبره الأغلى الى قلوب جميع نساء الأرض حتى من لم ترزق بأطفال. «شعور الأمومة أثمن ما تملكه الامرأة. تكبر وهي تنتظر ملاقاته وعيشه».
راقب مازن جارته في عيد الأم، طيلة الأعوام الثلاث التي سبقت الوردة الاولى التي قدمها لها في هذه المناسبة. كان يدخل بيتها، يفتش جميع أركانه على بقايا الهدية التي ممكن ان تكون قد حصلت عليها هذه الأخيرة. لم يجد وردة، ولا بطاقة معايدة ولا قالب حلوى. احتار لأمرها فراح يزورها أكثر من مرة كل 21 آذار باحثاً علّه يشهد على مفاجاة أو هدية تتلقاها كاميليا امام أعينه فيرتاح ضميره. وبعد مرور ثلاثة أعوام، لم يحصل خلالها ما في باله ولو مرة واحدة، اقترب منها وسأل «عندك ثلاثة أولاد، واحد أنجبته واثنان ربيتهما. كيف تحتفلين بعيد الأم؟». سكتت ولم تجبه. فهم عندها ان لا «عيد أم» في هذا البيت، ربما تعقيد العلاقات الأسرية فيه محت هذا الموعد، أو ان كبر سن اولادها انساهم هذه المناسبة.
لم يعلق، ولم يحكم أو يعاتب. جعل في معايدتها كل عام دوراً له. مرة يهديها وردة في بيتها، ومرة يخرق مكان عملها ويهديها الزهرة امام جميع زملائها. يحبها وينتظر ابتسامتها. ابتسامة استثنائية، لا تسمع ولا ترى بل يشعر بها كغمرة دافئة تلفه.
يوم «عيد الام» لدى مازن شارف على الانتهاء. يأتي الى حضن امه يقبلها ويعيّدها. يصرخ لها معبراً عن حبه ويقترب من اذنها قائلاً «مهما صرت كبيراً في نظر الناس ابقى في عيون أمي ولداً». تغمره وهي العارفة أين كان قبل الوصول إليها. يحدّثها بعض الشيء، فتردّ عليه «شكراً لأنك وبمشاركة أمومتي مع الآخرين جعلتني الأم الأكثر فخراً في العالم».
يقترب عيد الأم في نسخته لعام 2015، ومازن لن يغيّر العادة. سيشتري الورود الأربع ويتوجه الى من يسميها «أمي» غير انه هذا العام لن يكتفي بهذا الغرض فقط بل سيحمل هذا العدد من «بلدي» هدية لهنّ أيضاً.