في بيروت الخمسينيات، كان الستر عادة؛ يتمظهر في الخمار و«الفيشة» التي تغطي كامل وجوه الإناث حتى رقابهن. إلا أن قماش «الكريب جورجيت» الأسود لم يعق سعدية الخطيب (من مواليد سنة 1934) عن تحقيق حلمها في كشف سرّ مهنة «منح الحياة».


التلميذة المجتهدة في كلية المقاصد للبنات بالباشورة قصدت بعد نيل الشهادة المتوسطة الرسمية، البريفيه، «دار التوليد الفرنسية» التابعة للجامعة اليسوعية، واجتازت امتحان الدخول. لكنها، اصطدمت بتكلفة القسط المرهقة للجيب، فعادت أدراجها!
أحياناً، يحدث أن يتلاقح القدر والأماني، وهذه حال سعدية، التي تلقّت بعد أيام خبر قبولها طالبة في الصرح الفرنسي سنتذاك، وإعفائها من دفع القسط الدراسي.
كانت الفتاة النحيلة والممتلئة طاقة تسير كلّ يوم من أطراف حي الباشا في صبرا، عنوان المنزل العائلي، حتى البربير، حيث محطة القطار فتركبه متوجهة إلى محطة «العصور» ثم تلتحق بالعربة المتجهة إلى خط فرن الشباك. تتجاوز أمر اهتراء المداس وآلام الرجلين من جراء الحركة المستمرة، وتتطلع إلى مستقبل باهر في مجتمع لم يعرف قابلات قانونيات كثيرات.
تتلمذت الخطيب في «دار التوليد الفرنسية» عند أساتذة من الفرنسيين واللبنانيين، كالدكتورين صيراطي وغريب، بإدارة الأم الرّيْسة دو بريموريل، في صرح قليل الطالبات عدداً، ونادر الشهادة على مسلمات يأتينه طلباً للعلم. وتخرجت في عام 1953، بعدما أدت اليمين الخاص بالقابلات، محملة بميدالية التفوق.
في جوّ تعليمي يحصر اهتمامه بالتلقين، لم تواجه سليلة العائلة المتواضعة ما لم يسرّها لناحية الاختلافات الاجتماعية والدينية، بل عرفت تربيت كتفها مراراً اعترافاً بجرأتها، كما حين لاحظت أن جنين الأم المستقبلية، التي تولّدها في صبرا، «يتمجلس» بصورة عرضية في أحشاء الأخيرة، فما كان منها إلا ان طلبت نقل الحامل إلى «دار التوليد». أُخضعت الحالة إلى شرح مفصّل من د. صيراطي للطالبات عن كيفية التصرّف حيال الأمر، فلاقت الخطيب جراء ذلك من يثني على حسّها المهني السليم.


ساهمت في قصّ
أصبع سادس من يد مولود فاستغنى عن جراحة مستقبلية


في ذاكرة الداية الثمانينية، وذات الوجه الذي لم يطاوله أثر السنين سوى قليلاً، والعينين العسليتين خلف النظارتين، صندوق من الحكايا المتصلة بذيوع صيتها في الطريق الجديدة وصبرا، موطن الفلسطينيين البديل آنذاك، إلى حدّ أن هؤلاء كانوا «يتنازلون» عن خدمات «الأونروا» المجانية في مجال توليد النساء ويستدعونها إلى منازلهم للإشراف على ولاداتهم، وذلك مقابل 10 ليرات لبنانية في الخمسينيات، التعرفة التي وضعتها مراعاةً لأوضاعهم، في حين أنها كانت تتقاضى 15 ليرة من اللبنانيين!
هي تبتسم بعد أن تخلع الجدية التي تسمها، لتعبّر كيف كان توليد الذكر يُقابل بالاحتفال، غناءً ورقصاً وعزفاً، حتى قبل أن يطرح رحم الأم الخلاص، مقابل وجوم لطالما دفعها إلى الخروج مرتجفة، حين تتكشف أحشاء المرأة عن أنثى. حتى أن رجلاً لم ينقدها ليرات أتعابها بعد ولادة ابنته! ثم، ما تلبث أن تستعيد جديتها عند الحديث عن كيفية اهتمامها بالحوامل منذ الأيام الأولى من هذه المرحلة في حياتهن، ودعوتهن إلى تناول المقويات، وصولاً حتى تطبيق مبدأ «الولادة بدون ألم»، أي مشاركتهن تطوّر أحوالهن وإطلاعهن عليها بلغة بسيطة، حتى يصلن الأسبوع الأربعين أو الثاني والأربعين مدعمات بكل ما سيواجهنه، فيتجاوزن مشاعر الذعر، ولا يطالبن بحقنة «إيبيدورال» المخدرة لتسكين آلام الولادة كما اليوم.
متأبّطة شنطة مجهزة بكل ما تحتاجه من مقصات وملاقط وخيوط للسرة وحقن «الميترجين» المسرّعة للولادة... كانت القابلة المجازة تعرف حال وضع سماعتها الشبيهة بالبوق على بطن الحامل أوضاع الجنين، فتُعلم الأهل عن حالات الضعف والوفاة قبل الشروع في عملها، الذي أهّلها بعد زواجها إلى اقتناء سيارة «فولسفاكن» والانتقال بحرية حيث تستدعي مهنتها، وصولاً حتى بعض الضيَع في جبل لبنان. لم توقف حواجز الحرب الأهلية، أو مضايقات الجماعات المتنابذة سعي المرأة الطافحة ثقة بنفسها.

خصّصت الفلسطينيين بتعرفة 10 ليرات مقابل 15 ليرة للبنانيين

هي تقوم بما يلزم في غرفة نوم الحامل، ثم تنتظر أن يتسع عنق الرحم اتساعاً كاملاً، ولا تجد ضيراً في قضاء هذا الوقت جالسة على طرف السرير، أو أرضاً، فيما تنفث دخان سجائر الـ«بافرا» الوطنية، وتشرب القهوة، إلى أن يقضي الله الأمر.
في جعبة الداية، التي كانت منغمسة في عملها حدّ الثمالة، قصص بالجملة عن معاش قوم كانوا يتقاسمون مساحات السكن، ومنها أنّها أشرفت على ولادة «سِلْفتين» في الوقت عينه، بحيث كانت تتنقل بين غرفتي القريبتين بخطى سريعة، إلى حدّ أنها أعطت حقنة للأولى لتسريع العملية، حتى تستطيع الاهتمام في الثانية، لتقفل منهكة إلى بيتها حال انطلاق الزغاريد! كما أنها برعت في عملية قلب الجنين، الذي يجلس بطريقة جانبية في رحم أمّه، الصعبة، إذ كانت تناجي الله أن يعينها فيسمع العليّ، بحسب قولها، وتتجاوز صعوبة هذا الموقف بفتل الولد قبل سحبه للخارج سليماً، ولو أن هذا الموقف أسقط بعضاً من شعرها! وساهمت في قصّ أصبع سادس زائد من يد مولود، ما جعله يستغني عن جراحة مستقبلية في هذا الخصوص.
«لليدين البيضاوين» دور أيضاً في علاج بعض حالات العقم...
لم يطرق الحب قلب سعدية الخطيب، التي أُغرمت بمهنة القابلة القانونية دون أي أمر آخر، حتى يكاد الوقت المنسلّ بهدوء في القصص المعروفة عن بيروت القديمة، يسرع بجنون في حياة هذه المرأة. جنون جعلها تتابع أحياناً ولادات أربع باليوم! تزوجت الداية الشهيرة معلّم خضر بصورة تقليدية، أي بـ«تدبير من الأقارب» وانتقل الثنائي للعيش في تلة الخياط. أثمر رباطهما عشرة أولاد (4 أولاد و6 بنات) خلال 15 سنة، قبل أن يقضي الزوج المتفهم، وتتولى وحيدة رعاية العائلة. لم يعارض الأخير خروجها الليلي المتكرّر لإتمام رسالتها في مجتمع أجلّها، سوى مرّة وبدون سبب مقنع، فلم تمتثل، ولو أن الحادثة «تحفر» في قلبها بنقش
بشع!
مزهوة بصورة لأحفادها الثلاثة والثلاثين، تختم المرأة المكافحة كلامها بالرد عن سؤالنا عن خصائص الداية بتعداد الآتي: تفهّم فئات المجتمع المختلفة، وطول الأناة، والسرية المهنية التي تحتّم كتمان ما تراه وتسمعه في دواخل البيوت المغلقة على هموم متفرقة. ولا تودعنا الجدة، قبل التعريف بحفيدتها سارة العشرينية، التي ستكمل مسيرتها، مع الإيضاح أنّها لم تستقل إلا بعد رغبة الحوامل في الولادة بالمستشفيات التي تمقتها، ولو أنّها فرحت كثيراً حين جاءتها امرأة منذ سنوات خمس للتوليد.