دأب البشر على مرّ العصور على اختراع قوانين الرياضات وتطويرها، التي كانت ولا تزال تشكل أحد أبرز مضامير المنافسة بين سكان البلد الواحد، أو بين شعوب مختلفة. وأسهم مرور الزمن في تحديث مفهومنا للرياضة، سامحاً لنا باختراع ألعاب معقّدة فيها الكثير من القوانين والشروط.


لكن الأكيد أنه لا تتشابه جميع الرياضات في ما بينها، ففيما تتطلب بعضها خفة حركة وسرعة، ترتكز أخرى على التركيز العالي والدقة، طبعاً إذا ما اعتبرنا القوة البدنية من المسلّمات، ولو بدرجات متفاوتة بين رياضة وأخرى. لكن هذه الأخيرة تعتبر الأساس في عدد من الرياضات التي مارستها شعوب الحضارات القديمة والتي لا تزال رائجة إلى يومنا هذا. ارتباط هذه الرياضات بالقوة البدنية الهائلة وثيق لدرجة قد تجعل صاحب بنية جسدية «عادية» لا يفكر في ممارستها حتى.
مسابقة «أقوى رجل في العالم» ـ على سبيل المثال ـ هي إحدى أكثر المنافسات الرياضية مشاهدةً من قبل الجمهور حول العالم، إذ على الرغم من خلوّها من كافة التعقيدات التحكيمية، إلا أن لهذه المنافسات جمهوراً عريضاً.


رفع الجرن وقرع جرس
الكنيسة من ألعاب القوة والتحمّل



المتنافسون هم رجال يتمتعون ببنية جسدية هائلة، يضطرون إلى خوض أكثر من تحدٍّ مضنٍ، على أقل تقدير، من أجل الظفر باللقب. وتصل صعوبة بعض التحديات في هذه المنافسات إلى درجة الجنون، حيث يُطلب منهم مثلاً رفع سيارة تزن 500 كلغ عن الأرض إلى مستوى الركبة. وفي تحدٍّ آخر، تُربَط طائرة تزن أكثر من 18 طناً بخصر المتباري بواسطة حبل قوي، ويجب عليه بعدها أن يجرّها لمسافة 25 متراً!
القوة البدنية لهؤلاء الرجال لا بد أنها تذكّرنا بأبطال الأساطير القديمة، كهرقل ويوليسيس وغيرهما من الذين سمعنا عن قواهم الأسطورية التي قهرت أكبر الصعوبات.
بدوره، لا يخلو تراثنا اللبناني من الألعاب المخصصة لأصحاب القدرة البدنية الخيالية، وإحدى هذه الألعاب هي قرع الجرس، وهي لعبة تعتمد على قدرة المتباري على التحمل، فيجب عليه دق جرس الكنيسة، الذي قد يصل وزنه إلى أكثر من 800 كلغ، بقدر ما تسعفه طاقته، بحيث يكون الفائز من استطاع قرع الجرس لأكبر عدد من المرات.
لعبة تراثية أخرى هي «رفع الجرن». والجرن هو عبارة عن صخرة تزن نحو 80 كلغ كانت تستخدم لصنع بعض أنواع الطعام، يتنافس عدد من الشبان على رفعها بيد واحدة فقط، وهو ما يجعل من هذه اللعبة في منتهى الصعوبة.
المحدلة أيضاً تدخل دائرة الأدوات المستعملة لغرض التسلية. والمحدلة هي حجر أسطواني مثقوب، تدخل فيه زاوية قوس حديد، قد يصل وزنها إلى أكثر من 100 كلغ، وكانت تستعمل قديماً لحدل الأسطح في الشتاء. ويتبارز عدد من الشبان لرفعها بكلتا اليدين. لعبة تراثية أخرى هي «المخل»، والمخل هو عبارة عن قضيب مستدير محدّب من طرفيه على شكل إسفين، وكان يستعمل قديماً في اقتلاع الصخور الكبيرة من الأرض. والغاية من استخدام المخل هي تحديد مَن من المتبارين باستطاعته رفع الصخرة الأثقل وزناً. والجدير بالذكر أن هذه الرياضات التراثية لم يكن هدفها المنافسة الرياضية قديماً، بل كانت وسيلة لتأكيد الرجولة والأحقية في الزواج، وقد تطورت في ما بعد لتصبح منافسة رياضية بين الشبان.
قد لا تكون هذه الرياضات أكثرها ممارسةً، لأسباب بديهية، إلا أنها على الرغم من صعوبتها لا تزال تجذب العديد من الرجال «المؤهّلين»، لما تمنحه من شعور مفرط في القوة لهؤلاء.