«بيلعب حديد». عبارة قد يرى البعض أنها تلخص حياة رياضي كمال الأجسام الذي يقضي معظم وقته بين ماكينات الحديد و«الدامبلز» والتمارين القاسية للحصول على قوام جميل «مقطّع» يلفت الأنظار، خصوصاً أنظار «الصبايا» على البحر وفي البرونزاج. قد يكون هذا هدف معظم الرياضيين الذين يمارسون رياضة كمال الأجسام.


فهؤلاء تكون حياتهم محصورة بساعتَي تمرين وقضاء معظم الوقت يراقب نمو عضلاته من خلال مرايا النادي أو المنزل، مع تناول بعض المكملات الغذائية وبعضهم يذهب إلى حدود «ضرب حُقن» بالعضلات لكي يعطيها حجماً أكبر خلال وقت قصير، من دون أن يعرف مضار ما يقوم به أو حتى أنه قد يستسهله بهدف الوصول إلى الشكل الذي يرضيه. وتشرح الاختصاصية في علم النفس العيادي الدكتورة نورما موصللي، أسباب توجه الشباب نحو هذا الرياضة، فهي ترى أن الاختيار يأتي من شعور بالنقص في حياة أو شخصية الشاب، إن كان من ناحية التحصيل العلمي أو الحصول على وظيفة محترمة، «فهو يذهب إلى المكان الذي يكون هو المتحكّم فيه انطلاقاً من محاربته للظروف التي تتحكّم بجزء من حياته. وغالباً ما يكون هؤلاء بطبعهم يسعون إلى الكمال (Perfectionists)، وكلما سيطر على جسده أكثر توجه نحو الاعتناء بالتفاصيل بهدف الوصول إلى الصورة المثالية الموجودة في ذهنه. وبما أن الكمال لا يمكن الوصول إليه، ترى هذا الرياضي ينغمس في رياضته أكثر فأكثر وتتحول إلى محور حياته على حساب عائلته ومجتمعه».

بنوت المثال الأبرز

الرياضي الذي يدخل إلى عالم كمال الأجسام بهدف الوصول إلى العالمية، يجب عليه أن يعلم تماماً أنه اختار طريق رياضة العذاب و«الأشغال الشاقة» التي يعيشها لسنوات قبل أن يحصل على الجوائز في البطولات العالمية.
ويشكل البطل العالمي محمد بنوت (38 عاماً) مثالاً يحتذى به لرياضيي كمال الأجسام، وقد تجاوز طموحه حد الحصول على جسم ضخم ومفتول العضلات بهدف «شدّ البنات» إلى رفع اسم لبنان عالياً في المحافل العالمية ومحاولات تكرار إنجاز ابن عمه سمير بنوت اللبناني الوحيد الذي حصل على لقب مستر أولمبيا عام 1983 والذي يعيش في الولايات المتحدة حالياً.
بنوت يستعد حالياً للمشاركة في مستر أولمبيا في أيلول المقبل في لاس فيغاس بهدف تكرار الإنجاز، وهو نجح في الحصول على مكان له في هذه المسابقة بعدما حلّ في المركز الأول في بطولة العالم (فينيكس برو) في أريزونا العام الماضي، ليضيفه إلى سجل ألقابه المتضمن بطل أبطال العرب عام 2006 وبطل العالم 2007 قبل أن تبدأ مسيرته الاحترافية عام 2009.
ويعيش بنوت نظام حياة احترافية يمكن الاستدلال منه على نمط حياة الرياضي الذي يريد الوصول إلى العالمية. بنوت بدأ مسيرته في كمال الأجسام بعمر 18 عاماً، وهو يصفها بلعبة الفقراء التي تجذب الشباب للحصول على أجسام جميلة، وهؤلاء يشكلون نسبة 90% من الذين يزاولون هذه اللعبة.


يستهلك بنوت
30 بيضة يومياً و3 كيلو سمك مشوي و3 كيلو دجاج و2 كيلو لحمة


أما العشرة بالمئة الباقون، فليس لهم أمل بالوصول أبعد من الألقاب المحلية، «فتجد نجوماً لبنانيين غابوا، كيوسف الزين ومحمد العانوتي وغيرهم لم يجدوا من يحضنهم ويدعمهم مادياً، ورغم ذلك هناك مواهب جديدة كأحمد النابلسي وطارق همدر وغيرهم أيضاً، لكن مصير هؤلاء لن يختلف عن السابقين حيث إن استعداداتهم تكون محصورة بالبطولات المحلية».
أما حين يريد هؤلاء أن ينتقلوا إلى الاحتراف، فيشير بنوت إلى أن على اللاعب أن يتحوّل ناديه إلى منزله، فتكون حياته «رياضة وأكل ونوم وبس». وهذا طبعاً يكون من خلال إشراف اختصاصيين كمدربين عالميين محترفين وأطباء تغذية من الولايات المتحدة التي تعتبر مهد هذه اللعبة والمكان الأكثر احترافاً. ويلفت بنوت إلى أنه يجب على المحترف أن يتدرب ثلاث مرات في اليوم بمعدل ساعتين للتمرين الواحد، إذ يستيقظ من النوم فيتناول فطوره ثم يتدرب ومن ثم ينام ثم يتدرب ثم يأكل ثم ينام ثم يتدرب ثم يأكل وينام وهكذا دواليك. وبناءً عليه، لا يمكن اللبناني أن يكون محترفاً، «إذ كيف يمكن أن يؤمن لقمة عيشه وكيف يعمل إذا كانت كل حياته محصورة بالتدريب والنوم والأكل، ما لم يكن هناك دعم مادي من الدولة والرعاة؟».

نظام غذائي مخيف

محمد بنوت يعيش على نظام غذائي موحّد منذ ثلاث سنوات بإشراف اختصاصيي تغذية أميركيين، وهو يتنوّع بين الكاربوهايدرات أي البطاطا والأرز، والبروتينات كالبيض والسمك والدجاج واللحم، إضافة إلى الخضار. ويشير بنوت إلى أنه يستهلك 30 بيضة يومياً (15 صباحاً و15 مساءً)، إضافة إلى 3 كيلو سمك مشوي و3 كيلو دجاج (صدر) و2 كيلو لحمة هبرة، إلى جانب الأرز والخضار وقطعة فاكهة واحدة.
لكن حين تسأله عمّا إذا كانت هذه الكمية على مدى أسبوع، يفاجئك بالقول: «يومياً يا حبيبي، وموزعة على 8 وجبات. وأنا أعيش هذا النظام منذ ثماني سنوات وأعيش منذ ثلاث سنوات على نوعية الأكل عينها». أما السبب، فهو أن المنافسين الأميركيين يتمتعون بالضخامة التي لا يمكن أن تجاريهم فيها، فيصبح عليك أن تبذل جهداً مضاعفاً وتتميز في التقطيع لكي تستطيع منافستهم». ويبلغ وزن بنوت 125 كلغ حالياً، وهو سيخفضه إلى 110 كلغ حين سيصعد إلى المسرح في البطولة في أيلول.أما من ناحية التدريب والنوم، فهو حالياً يتدرب مرتين وينام 8 ساعات في الليل إلى جانب فترة من النوم خلال النهار. ويشرف على تدريبه المدرب جورج فرح في الولايات المتحدة، والمدرب أحمد حيدر في لبنان. وحين تسأله عمّا إذا كان يتناول الكحول أو يدخّن، ينتفض قائلاً: «مستحيل، فأنا حتى لا أجلس في مكان يدخّن فيه أحد الأشخاص».

كلفة عالية

لا شك في أن نمط حياة مماثل يتطلب أموالاً طائلة شهرياً، ويشير البطل العالمي إلى أن الكلفة الشهرية تلامس تسعة آلاف دولار، وهو يقوم بتوفيرها من خلال جهده الشخصي «فأنا صنعت نفسي بنفسي». ويعمل بنوت حالياً مؤهلاً أول في شرطة مجلس النواب، وهي وظيفة قدمها له الرئيس نبيه بري تشجيعاً له (الذي يقول بنوت إنه الشخص الوحيد الذي له فضل عليه ويشكره على ذلك إضافة إلى تضحيات عائلته معه، علماً بأن ولديه علي وعباس دخلا إلى هذه الرياضة بإشرافه)، إضافة إلى النادي الخاص الذي يملكه، إلى جانب الدروس الخاصة التي يقدمها حتى يستطيع تلبية متطلبات النجاح من تدريب وطعام ومكملات غذائية «لكن بعيداً من المنشطات التي هي آفة هذه اللعبة».
ويشدد بنوت على خطر تناول المنشطات، حيث يركّز على أن الخطر الأكبر هو «السانتول»، الذي هو حقيقة اسمه «بارافين»، وهو دواء للمساج يُحقَن الشباب به، لكن قد يعانون في وقت لاحق من التهابات، ما يؤدي إلى بتر أيديهم أو أرجلهم. كذلك هناك نوعان آخران أقل خطورة هما «الديكا» و«السيستا» الشائعان بين الشباب «وأنا أرفض أن أقدمها إلى الذين أدربهم مهما توسلوا ذلك».