كعادته كل صباح، ينشغل حسين مطر في جولة طويلة على أحواض تربية الأسماك عند ضفاف مجرى نهر العاصي في الهرمل. يصول الرجل ويجول حول تلك الأحواض المتفاوتة الحجم، والتي تعدّ مصدر رزق له ولعائلته، ولعائلات العمال الذين يشتغلون معه منذ أكثر من 15 سنة. يرقب حركة فروخ السمك الصغيرة، ويتفقّد أحواض تلك الكبيرة منها، وينثر حبّات العلف فوق المياه الهادئة، لتتحول فوّارة مع هجوم فروخ الأسماك الجائعة.


«حلو مشهد الرزق والخير»، يقول مطر وهو يوسع دائرة نظره إلى أحواض تربية سمك الترويت المترامية عند ضفاف نهر العاصي المتدفق بغزارة. يكمل مطر كلامه فيؤكد أن هذه النعمة «ثروة وهبنا إياها ربنا، ومنحها لمئات العائلات التي تجني لقمة عيشها من هالنعمة».
المشهد يكاد يكون نفسه عند بقية الأحواض، عند حسن مرضى وعلي علّوه وكمال قانصو وغيرهم من مربي الترويت في الهرمل، الذين يتفقدون مصدر رزقهم، ويهتمون بإنجاز التحصينات البدائية لمواجهة السيول وارتفاع منسوب مياه النهر.
تربية أسماك الترويت تعدّ من القطاعات الإنتاجية «الهرملية» الأساسية في اقتصاد المدينة _ القرية، والمساهمة في النهوض بالأوضاع الحياتية ومنع حركة النزوح باتجاه العاصمة بيروت. فأكثر من 140 مزرعة لتربية الأسماك تتناثر على ضفتي مجرى نهر العاصي بطول 15 كيلومتراً، من نبع مياه عين الزرقا إلى جسر العاصي، فشلالات الدردارة والشواغير.
يوفر النهر «بيئة نموذجية» لتربية الترويت، بالنظر إلى قدرة التدفق فيه والتي «تقدّر بـ13 متر مكعب في الثانية، وهو ما يغني المياه بالأوكسيجين والحموضة، اللذين يحتاجهما السمك، بالإضافة إلى خلوّ النهر من الملوّثات بفضل تدفّقه المتواصل صيفاً وشتاءً»، بحسب ما يشرح المهندس حسين قانصو، مدير مركز الجواد للإرشاد والتنمية الزراعية في الهرمل (جهاد البناء).


من المشاريع غير المكتملة معمل لتسحيب سمك الترويت وتدخينه


يعتاش من قطاع تربية الأسماك ما يزيد على 450 عائلة، تتوزّع بين أصحاب المسامك من جهة، والعائلات اللبنانية منها والسورية التي حصلت على فرص عمل في القطاع، سواء في التربية أو البيع أو النقل.
أما في ما خصّ الإنتاج، فيتراوح بين «3 إلى 4 آلاف طن سنوياً، وبقدرة إضافية ممكنة لإنتاج كميات أكبر تصل إلى عشرة آلاف طن سنوياً، فيما لو اعتمدت مزارع تربية الترويت على الطرق العلمية الصحيحة، بدلاً من الاعتماد على الطرق التقليدية، بحسب تأكيد خبراء ومهندسين دانماركيين وإيرانيين زاروا الهرمل سابقاً»، يقول محمد عمر رئيس نقابة مربي الأسماك في الهرمل.
أول فرخ سمك ترويت دخل إلى الهرمل كان عام 1964، استقدمه ابن المدينة الدكتور غسان العميري من فرنسا، وأنشأ أول مزرعة لتربيته في بلدة حوش السيد علي عند الحدود اللبنانية _ السورية. تنامت الفكرة الاقتصادية وشهدت الهرمل في ثمانينيات القرن الماضي انتشاراً واسعاً لأحواض تربية اسماك الترويت، التي تعدّ مورداً غذائياً صحياً، لاحتوائها على الأحماض الدهنية غير المشبعة المفيدة للقلب والأوعية الدموية والمساعدة في خفض نسبة الكوليسترول في الدم.
لكن مهلاً، لدى مربي الأسماك في الهرمل غصّة ووجع يعتملان في صدورهم منذ عقود، فقطاع تربية الترويت في الهرمل كما بقية القطاعات الاقتصادية التي لم تحظ بالرعاية والدعم الكافي من الدولة، لم يشهد خططاً جدّية لتذليل ومعالجة المشاكل التي يعاني منها القطاع من تأمين أسواق تصريفية، ودورات إرشادية وفنية. ليس هذا وحسب، فمربو الأسماك في الهرمل يتعرّضون موسمياً لخسائر فادحة وانتكاسات مالية كبيرة، نتيجة الكوارث الطبيعية من سيول ربيعية وخريفية.

«حتى اليوم وجعنا منذ عقود السيول وكوارثها، ولا خطط علاجية من قبل الدولة ومتروكون لخسائرنا»، كما يقول مربي السمك حسن مرضى لـ«الأخبار»، وهو يرفع بشباكه بضع سمكات لبيعها للزبائن. يعتاش الشاب وعائلته ووالدته وأشقاؤه وعائلاتهم من تربية اسماك الترويت، ويلفت إلى أن تعويضات السيل الأخير نهاية شهر تشرين الأول «لم تقبض بعد، وسط ذرائع وحجج لا تنتهي، وبالأخير إذا أتت التعويضات فهي لا توازي ثلث خسائرنا».

يشكو المربّون من بقاء القطاع في حضن المبادرات الفردية

مشاكل القطاع يعرفها غالبية مربي الأسماك في الهرمل، ويرى عمر أن ما يعيق تطور القطاع «بقاؤه في حضن المبادرات الفردية المحدودة، في ظل غياب الدعم من الدولة ووضع الخطط الكفيلة بتنظيمه، أو حتى المساعدة في تخصيص كميات من الإنتاج للجيش أو المطار بدلاً من السمك المجلّد، علماً أننا لم ننل سوى وعود من وزراء الدفاع الذين تعاقبوا في الحكومات الماضية، ليتبين أخيراً أنها وعود سرابية».
من جهة ثانية، وإزاء ارتفاع أسعار الأعلاف الأجنبية المستوردة (سعر الطن 1850 دولاراً)، قدّمت «وكالة التنمية الأميركية»، ومنذ ما يزيد على العشرة أعوام، وبالتعاون مع بلدية الهرمل «معملاً متخصصاً بإنتاج أعلاف السمك»، بهدف تخفيض الأكلاف على المربي بما نسبته 35% من أكلاف الأعلاف المستوردة، إلا أن المعمل «ورغم تأهيله مرة جديدة بذريعة أخطاء تقنية وفنية، بمبلغ قيمته 250 ألف دولار من الوكالة الألمانية للتعاون الفني (GTZ)، وتلزيمه منذ أيام إلى شركة لتشغيله، إلا أنه حتى اليوم لم يعمل بعد» كما يقول عمر. ومن المشاريع التي «لم تعمل أيضاً»، والتي كان من المفترض منذ سنوات أن توفّر دعماً لقطاع الترويت في الهرمل، معمل تسحيب وتدخين سمك الترويت بمواصفات خاصة، والذي تعاون فيه اتحاد بلديات الهرمل مع مشروع الأمم المتحدة.




الأزمة السورية

الهرمل المترامية عند حدود الوطن نسجت بعلاقات المصاهرة والتجارة «توأمة» مع حمص والقصير وريفهما، وساهمت في ذلك قرى حوض العاصي السورية، وقاطنوها اللبنانيون. يعتمد قطاع الثروة السمكية في الهرمل بشكل أساسي على السوق السورية، خصوصاً أن مجرى نهر العاصي داخل الأراضي السورية يحوي معامل ومشاريع تحول دون إقامة مسامك، ما خلا عدد فيها لا يتعدى أصابع اليد الواحدة، الأمر الذي جعل من مسامك الهرمل المورّد الأساسي لمطاعم وفنادق سائر المحافظات السورية.
ويؤكد رئيس نقابة مربي الأسماك في الهرمل محمد عمر أن السوق السورية، قبل الأزمة التي عصفت فيها، «كانت تستورد يومياً من الهرمل ما يتراوح بين 4 إلى 5 أطنان من سمك الترويت، حتى أن هذه الكمية كانت تصل في المناسبات والأعياد إلى ثمانية أطنان يومياً». ومع انطلاق الأزمة السورية، شهدت قرى قضاء الهرمل خطفاً وقتلاً لأبناء قرى الهرمل وحوض العاصي، فضلاً عن تدمير منازل وقصف بالصواريخ، ليطوّر الإرهاب التكفيري إجرامه ويدخل السيارات المفخخة إلى الهرمل ويستهدف الأبرياء والمدنيين.
الثروة السمكية التي كانت تحاول النهوض من خسائر حرب تموز عام 2006 عادت لتعيش انتكاسة كارثية مع توقّف السوق السورية عن استيراد سمك الترويت، فضلاً عن إقفال المؤسسات السياحية في مطاعم ومقاهي العاصي، والتي كانت تعدّ المتنفس المتبقي لمربي السماك في الهرمل.




اتفاقية التيسير العربية


على مدى السنوات الطويلة الماضية طالب مربو الأسماك بتعديل بنود اتفاقية التيسير العربية، والتبادل التجاري بين سوريا ولبنان، وشاركوا في اجتماعات في سوريا، إلا أن شيئاً لم يتغير حتى اليوم. يشرح محمد عمر رئيس نقابة مربي الأسماك في الهرمل أن الاتفاقية تشمل في بنودها استيراد السوق السورية «الإصبعيات» (سمك ترويت صغير) بكميات غير محدودة، والسمك البحري الطازج، في حين تستورد السوق اللبنانية السمك النهري السوري من نوع «سنّور والمشط والكارب».