«عن بلادنا التي تسير كالريح نحو الوراء...» | عبود سعيد «الشخص الأفهم على الفايسبوك». هكذا يقول عن نفسه. وهو عنوان كتابه. ولا يمكنك أن تعرف إن كان يمزح أم لا. لكنه على الغالب لا يمزح. هو يثق تماماً بقدرته على فرض إيقاعه «الشعري» على الآخرين من خلال الفايسبوك. لديه موهبة استثنائية في صياغة نفسه بأسلوب ساخر وحذق. مثلاً، كتب أخيراً: «أفلام وثائقية عن سوريا أكثر من الدراما السورية، نفس البطل، وكأن الذي يعمل make up يدور على كل الأفلام والأبطال ليظهروا بمظهر واحد: شعر طويل ولحية مهملة وكم جملة عن الإرهاب والحرية والأحلام المسروقة، يتحدثون لغة تختلط بها العربية والإنكليزية واللبنانية والتركية والالمانية، لكن يتفقون على كلمة مثل «سبونسر»، « كونتراكت»، أسأل أمي أقلها: شنو يعني سبونسر؟؟ تقلي: مصاري يا ابني مصاري. الخلفية نفسها كأنها قطعة قماش يحملونها في حقائبهم أينما ذهبوا، يضعونها خلفهم عند التصوير، الخلفية دمار. وأسأل أمي: ايمتا يتدمر بيتنا مشان أصور عنه فيلم؟


تقلي: جيب سبونسر. ثورة وسينما وأبطال هزيلون خربوا كل شيء حتى أمي خربوها وعلموها على السبونسر».
هذا ستاتوس يعطي مثالاً عن القدرة «التدميرية» لسلاح عبود سعيد الساخر. عبود سعيد يخصّب السخرية، كما تخصب إيران اليورانيوم. وكما يخصّب النظام السوري الموت، وكما يخصّب داعش الرعب. وبالسخرية، ينوي مواجهة العالم. بالسخرية وحدها، ينوي هزيمة النظام السوري وداعش والمعارضة السورية. كل هؤلاء الذين يحتلون سوريا اليوم، ويصادرون ثورتها. هل هي ثورة حقاً؟ عبود مقتنع بذلك. يعلم أن الأمور في أسوأ أحوالها، لكن هناك إنجاز لا يمكن التغاضي عنه. مهما حدث، لن تعود سوريا إلى ما قبل آذار من عام 2011، تاريخ انطلاق الثورة السورية. لم يتأكد حينذاك أنها ثورة إلا حينما رأى رعشة (المتحدثة باسم الرئاسة السورية) بثينة شعبان: «كانت تقرأ من ورقة، وكانت الورقة ترتجف بين يديها. عرفت حينها أن النظام يرتجف. إنها الثورة». بعدها بأيام، بدأ يشعر بانزعاج عناصر المخابرات في قريته منبج: «في بداية الأحداث رأيت عدداً منهم، كان بينهم اصدقاء لي، مرتشون لكن «دراويش». كانوا دراويش، صاروا قتلة». ما الذي جعلهم يتحولون من دروايش إلى قتلة؟ يجيب: أظن أنهم لا يزالون دراويش، لكن قتلة في الوقت نفسه! لم يكن عبود سعيد يكتب في حينها شعراً حقيقياً، على ما يقول. كانت حياته عبارة عن «كذب وتمثيل وتأليف»، وكان شعره يشبه حياته. أي انه بهذا المعنى فقط كان حقيقياً. سوريا كانت تشبه حياته وشعره أيضاً. أتت الثورة وغيرت كل شيء: «الثورة ليست كيمياء ولا علم فلك. معادلتها من ابسط مفاهيم الحياة، ناس ظالمة وناس تحتجّ على الظلم. هذا المفهوم لن يتغير وهو ميزان الناس المعنية بالثورة كلهم، اما ما يحصل من مراحل: تطرف طائفية... وكل التعقيدات الأخرى، لا شك أنها من صنع النظام الذي يشكل عقبة أساسية أمام حل كل هذه التعقيدات، والثورة مستمرة، وتجدها لدى أهلها. أي اعرف الثورة تعرف أهلها. حتى لو امتنعوا عن التدخين بسبب داعش او توقفوا عن المشي بالشارع بسبب براميل النظام. هذا كلام قد لا يناسب الواقع الذي تراه عيون الناس. لكن أنا أعور بعين واحدة، ولا أستطيع أن أرى الناس إلا مستمرة في الثورة. غير ذلك تفاصيل لا أهمية لها». عبود لا يعتبر نفسه ثائراً، بل إن الثورة حجمته، وجعلته يكتشف كم أن هناك سوريين اصدق منه وأجرأ منه، ومستعدون للتضحية من أجل الحياة أكثر منه. وهو ايضاً لا يعتبر المعارضة السورية ثائرة بدورها. ولهذا ابتكر مع صديقه الشاعر لقمان ديركي «معارضة الكاراجات»: بدأت الفكرة من كراج بمدينة مرسين التركية عندها كان صديقي لقمان ديركي ينتظرني حينما نزحت من سوريا، فقمنا بالتقاط صورة وكتبنا عليها معارضة الكراجات ووضعناها على الفايسبوك، ومن هنا تحولت إلى حملة تسخر من كل المعارضة السورية الهزيلة المتخلفة التي لا تنتمي للثورة ثم صارت حملة تسخر من كل شيء حتى من نفسها».
من تركيا، انتقل عبود لاحقاً، إلى برلين، بعدما تقدم بطلب لجوء. بعدما كان حداداً افرنجياً في سوريا، ها هو يعيش اليوم في ألمانيا، وقد اصدر من مكان إقامته الجديد كتاباً ثانياً بعنوان «حياة بحجم خبر عاجل»، بعد كتابه الأول بعنوان «الشخص الأفهم على الفايسبوك»، والذي صدر في ألمانيا حينما كان لا يزال في سوريا، وترجم إلى ثلاث لغات. والطريف في الموضوع أن الكتابين صدرا بعدما جمع شخص ألماني النصوص من صفحة عبود، وقام بترجمتها ونشرها بعد أخذ إذنه: «الله وكيلك انا يحرم عليي اذا بعرف هلأ شو في بقلبه... بعرف بس مو كل شي». عبود «سعيد» إلى حد ما في ألمانيا. لكنه حزين لأن أهله يعانون في نزوحهم إلى تركيا، خصوصاً والدته. خسر أخاه بقذيفة هاون. لا يحمّل أحداً المسؤولية. ولا يريدني أن أذكر الحادثة لأنه لا يريد أن يتاجر بدم أخيه. اسأله ماذا تقول لبشار الأسد؟ يجيب: ولا كلمة. ماذا تقول لداعش؟ ولا كلمة. ماذا تقول للمعارضة السورية؟ ولا حرف! ماذا تقول لـ»معارضة الكاراجات»؟ باقية وتتمدد. ماذا تقول لأمك؟ لا تكبري، اصبري، وكل الدنيا «رح تختير» قبلك. ماذا تقول لأخيك الراحل، فيما لو عاد ونظرت في عينيه؟ أقول له: عيونك اجمل عيون في الدنيا.