حلمنا نابولي. يتفق عدة لاعبين على هذه العبارة رغم مرورهم في أهم الأندية العالمية من ريال مدريد الإسباني إلى يوفنتوس الإيطالي وغيرها. لا يرى هؤلاء أن الأندية الكبيرة بالاستثمارات الاقتصادية وزخم الإعلام حولها، أو الكبيرة بعدد ألقابها، هي هدفهم الأول والأخير، بل ينظرون إلى من مرَّ على عشب ملعب «سان باولو» وحفر اسمه فيه.


كثر مروا من هنا، وكتبوا في شباك الخصوم أهدافاً كثيرة، سُجّلت في تاريخ الكرة، وظلت راسخة حتى الآن. كثرٌ مروا، لكن أبرزهم وأكثرهم عطاءً كان «الأسطورة» الخالدة الأرجنتيني دييغو أرماندو مارادونا. حضوره كان نقطة الفصل والتحول في مسار كرة جنوب إيطاليا. منذ تلك الحقبة صار الجميع يرى جنوب إيطاليا مثل شماله، يملك ما يملكه الآخرون، وقادر على تحقيق ما حققته الأندية الشمالية مثل إنتر ميلانو وميلان وتورينو ويوفنتوس وغيرها.
الكل علق في ذاكرته أن مارادونا لعب وتوّج هناك، فبات السير على خطاه هدفاً للعديد من اللاعبين. وهذا الأمر يتحدث عنه كثيراً هداف نابولي الحالي وريال مدريد السابق الأرجنتيني غونزالو هيغواين حيث يحكي عمّا لقيه من حفاوة من قبل الجماهير عند مجيئه، وعن سبب قدومه إلى هذا الفريق دون سواه، وعن فخره بخياره. ظهر هيغواين وهو يضع الوشاح الأزرق حول رقبته، ملقياً نظرة على ملعب «سان باولو» حيث احتشد المشجعون لاستقباله. رأى هناك ما لم يره في مدريد، واعترف بأنه يشعر بحب جمهور نابولي له أكثر مما كان يشعر به مع جمهور الريال، ذلك بأن جمهور الأول يردد اسمه «وكلما سجلت هدفاً يصبح صوت الجماهير مثل الرعد. أنا سعيد جداً بأنني انضممت إلى أحد أفضل الفرق الجماهيرية». وفي الختام يختصر حكاية مجيئه وعشقه لنابولي: «لعب مارادونا هنا وهذا كان الدافع بالنسبة اليّ للمجيء».
هناك علاقة روحية بين نابولي ومارادونا لا تزال حتى الآن. ما زال مارادونا حاضراً هناك عبر لاعبين آخرين يشعرون بطيفه، إذ قبل هيغواين كان الأرجنتيني الآخر إيزيكيال لافيتزي حاضراً أيضاً. وكان فابيو كوالياريلا يريد بحسب تعبيره «أن يعيش الحلم» واللعب مع نابولي. نجح بهذا الأمر عكس تشيرو ايموبيللي الذي انتقل إلى بوروسيا دورتموند رغم رغبته في الانتقال إلى نابولي، واللعب بقميص مدينته.
قبل مارادونا مرَّ لاعبون مميزون كثر، لكن أحدهم لم ينجح بالتأثير كما فعل «الفتى الذهبي». أتيلا سالوسترو وأنطونيو فوياك وأميديو أمادي والسويدي هاس يبسون وغيرهم، من دون نسيان الهولندي رود كرول الذي تركه عام 1984.
جاء مارادونا من برشلونة الإسباني مقابل 15 مليار ليرة إيطالية وقتذاك، فحقق بطولة الدوري مرتين، وكأس إيطاليا مرة واحدة، والكأس السوبر الإيطالية مرة واحدة، ولقب كأس الاتحاد الأوروبي مرة واحدة. لعب 259 مباراة مسجلاً 115 هدفاً، كرس فيها أن الجنوب ونابولي حاضران في الكرة الإيطالية، ناقضاً كل الفوارق الثقافية والاقتصادية والسياسية التي لا تزال توجد جزئياً بين الشمال والجنوب. قدّسوه هناك وما زالوا حتى اليوم، فرسموا صوره على مدرجات الملاعب، وحيطان المنازل، وفي الشوارع، وأخذ النادي قراراً بإلغاء القميص الرقم 10 في نابولي مباشرة بعد اعتزاله.
مارادونا ولد في عائلة تعاني من أحزمة البؤس في بوينوس آيريس، ونشأ في منزل صغير مع أربعة أشقاء. ربما كان هذا ما جعله يدرك معاناة أهل نابولي الفقراء، نسبةً إلى أهالي المدن التجارية والصناعية. ومما لا شك فيه أن هذا سبباً جعل من سكان مدينة نابولي يرونه كفرد منهم.
نابولي عرف ارتباطاً وثيقاً بأميركا الجنوبية عبر لاعبيها، فاستقدم الكثيرين منهم، أمثال الأرجنتيني روبرتو أيالا والبرازيلي كاريكا الذي جاور مارادونا في الفريق، إضافةً إلى الكولومبي فريدي رينكون، والأوروغوايانيين دانيال فونسيكا ومارسيلو زالايتا، وأخيراً إدينسون كافاني الذي انتقل إلى باريس سان جيرمان في وقتٍ لاحق.
وافق كل هؤلاء سريعاً على القدوم من القارة اللاتينية إلى نابولي، نظراً إلى ما يجدونه من تشابه في الثقافات. بساطة العيش دون تكلّف، وتقارب اللغة، وطبعاً حب الكرة وشغف الجماهير بها يشعرهم بأنهم في الوطن، ويقرّبهم من نابولي وأهلها، وناديها التاريخي حيث يحوم طيف «دييغيتو».
لا يبدو غريباً أن يقول مارادونا فيها: «نابولي منزلي الثاني، هناك عائلتي الكبيرة، قلبي سيبقى ينبض بحبهم حتى آخر يوم في حياتي».
باختصار هذا الـ«مارادونا» هو الأساس في حب اللاعبين للعب هناك.