القاهرة | رغم أن ظاهرة الالتراس ليست جديدة على المجتمعات الكروية في العالم، إلا أن عمرها الحقيقي في مصر لم يتجاوز 7 أعوام. لكن هذا العمر القصير لم يمنع الالتراس من الضلوع في أحداث وتحوّلات ستبقى راسخة في التاريخ لسنوات طويلة؛ فالظاهرة التي بدأت مرتبطة بالكرة وتشجيع فرقها، أخذت بعض أفرادها الى خلف القضبان باتهامات تتمحور بين قتل مشجعين آخرين ومقاومة سلطات الأمن، وتعزز هذا الامر مع اختلاط التشجيع بالسياسة بعد «ثورة 25 يناير2011».


بدأ الالتراس في مصر من خلال مشجعي النادي الاهلي الذين قرروا تأليف مجموعة من أعضاء رابطة محبي الأهلي، ليتأسّس بعدها بأيام قليلة التراس «وايت نايتس» التي تكوّنت من رابطة محبي نادي الزمالك، وباتت الرابطة الوحيدة التي تجمع عدداً كبيراً من مشجّعي النادي الأبيض.
امتدت روابط الالتراس لتصل إلى النادي الإسماعيلي الذي يعتبر ثالث أكبر الأندية المصرية من حيث الشعبية، حيث أسّس مشجّعو النادي التراس «يلو دراغونز»، فيما تأسست رابطة «التراس ديفلز» لتشجيع الأهلي في المحافظات خارج القاهرة، بينما أسّس مشجعو نادي غزل المحلة «التراس ويلز»، ومشجعو نادي الاتحاد السكندري «التراس غرين ماجيك»، فيما يعتبر «التراس غرين إيغلز»، وهم مشجعو النادي المصري البورسعيدي، الأكثر عنفاً في لغة الخطاب وطريقة تعاملهم مع مشجعي الفرق الأخرى.
وتوالى تأسيس روابط الالتراس للأندية المذكورة عينها من خلال انشقاق الأعضاء عنها، فظهر التراس «اتحداوي» الذي يشجع نادي الاتحاد السكندري، والتراس «مصراوي» و«سوبر غرين» لتشجيع جماهير النادي المصري البورسعيدي، فيما يقوم التراس «المتمردون» على تشجيع نادي الاسماعيلي، ويشجع التراس «وايت وايفز» نادي الزمالك، وهي روابط جميعاً تأسست خلال الأعوام الأربعة الاخيرة.
ويفضّل الالتراس الحضور في مقاعد «الدرجة الثالثة» في الملاعب حيث تشكّل هذه المقاعد البقعة المميزة بالنسبة إلى جميع روابط الالتراس تقريباً، في وقتٍ لا يمكن فيه تقسيم الطبقات المنضوية في الالتراس التي تمزج بين جميع فئات المجتمع بمختلف مستوياتها الاجتماعية، إلى درجة أن بعض قادة الالتراس يقولون في تصريحاتٍ إن بعض أعضاء الروابط يدرسون في الكليات العسكرية.

العلاقة مع الدولة

خلال الأعوام الأربعة الأولى من عمر روابط الالتراس، كان الصدام بينها وبين «الداخلية» محدود رغم وجود احتقان من الطرفين بسبب رفض شباب الالتراس الانخراط في الجانب السياسي، على عكس رغبة الحزب الوطني الحاكم في مصر خلال تلك الفترة، وهذا ما ظهر جليّاً عندما رفع التراس نادي الاسماعيلي لافتة تحمل شعار «الثورة مبادئنا» للتعبير عن رفضهم الاستجابة لتهديدات «الداخلية» التي كانت تلوّح بالقبض على بعضهم واحتجازه وفقاً لقانون الطوارئ، فضلاً عن المشادات التي دخل فيها التراس الفرق المتنافسة والاشتباكات التي كانت تقع بينهم.
ورغم اعتماد روابط الالتراس على مبادئ اللعب النظيف في تأسيسها، لم تلتزم بهذا الامر طويلاً بشكلٍ غير مقصود، ويرتبط ذلك بغياب العقلية القيادية التي يمكنها توجيه الشبان والسيطرة على حماستهم، خاصة مع حالة العشق الجنوني لكثيرين منهم للنادي الذي يشجعونه، إضافة إلى اندفاع الشباب وزيادة عددهم بدرجة كبيرة، لتتضاعف أعداد هذه الروابط في غضون أسابيع قليلة.
استمرت العلاقة بين الالتراس والدولة في حالة من المدّ والجزر لفترة استمرت حوالى 3 سنوات شهدت خلالها اشتباكات متفرقة بينهم وبين قوات الأمن، لكن الحدث الأبرز في تحوّل الالتراس تجاه العنف كان ما شهدته مباراة لكرة السلة جمعت بين ناديي الأهلي والزمالك، حيث قام التراس نادي الأهلي بصبّ البنزين على أحد مؤسّسي رابطة التراس نادي الزمالك وأشعلوا النيران فيه، ما أصابه بحروق جسيمة استلزم على إثرها العلاج لفترة طويلة.
ورغم تدخل القيادات الرسمية في الدولة لاحتواء الموقف وتدخل رؤساء الناديين لاحتواء الموقف، ظل الغضب والخلافات بين الشبان مستمرة وتجددت خلال نهائي بطولة مصر لكرة السلة في عام 2010 عندما حاول التراس الزمالك اقتحام نادي الأهلي لحضور المباراة، فردّ التراس الاهلي بمحاولة اقتحام نادي الزمالك بعدها بأيام.
حاول الحزب الوطني توظيف الالتراس لمساعدة مرشحيه في الانتخابات، لكن شباب الالتراس فضّلوا الابتعاد عن السياسة خلال تلك الفترة بسبب الصدام بينهم وبين «الداخلية» وتكرار حوادث الكر والفر والمعاملة السيئة من الضباط والجنود للشبان خلال احتجازهم، ليقرروا المشاركة بشكل منفرد في الأيام الأولى من ثورة 25 يناير، معلنين عدم مشاركتهم في التظاهرات التي خرجت في البداية من أجل المطالبة بالعيش والحرية والعدالة الاجتماعية وتحولت لاحقاً إلى المطالبة بإسقاط النظام.

الدور السياسي

جزء من السبب الرئيسي في الصدام بين الالتراس والداخلية تمسّك الشباب باستخدام الشماريخ في المدرجات، والتي ظهرت في بدايتها مع التراس النادي المصري بحكم مدينة بورسعيد التجارية التي يتم تهريب الشماريخ من خلالها، والتي انتقلت لتكون متلازمة لالتراس جميع الأندية لاحقاً، فضلاً عن الاشتباكات بين التراس الأندية المختلفة، والتي كانت ترى في الحصول على إحدى اللافتات الخاصة بالالتراس المنافس أو قميص أيّ من أعضائه انتصاراً على المنافس، حتى لو انتهت المباراة بخسارة فريقهم!
الصدام المتكرر بين الالتراس والداخلية مكّنهم من لعب دور مميز خلال الثورة، وذلك بسبب إدراكهم طرق الضباط في فضّ التظاهرات، فعملوا على إنهاكهم، الامر الذي كان له أثر كبير في التحرك في الشارع، إضافة إلى دورهم في التصدي للبلطجية الذين حاولوا اقتحام ميدان التحرير في ما عُرف إعلامياً بموقعة «الجمل»، والتي نجح الالتراس في التصدي لها بعدما توحّدوا بهدفٍ سياسي، وهو المشاركة في إسقاط نظام الرئيس السابق حسني مبارك.

لم تلتزم جماعات الالتراس
بشعاراتها لأمرٍ يرتبط بغياب العقلية القيادية التي يمكنها توجيه الشبان والسيطرة على حماستهم


من هنا، تحوّل الالتراس ليكون شريكاً أساسياً في كافة الأحداث السياسية التي شهدتها مصر، إلى درجة أنهم قاموا بالاحتجاج أمام مكتب النائب العام وأجبروه على إصدار قرار بإخلاء سبيل زملائهم، إذ رغم ممارستهم العديد من المظاهر غير القانونية، لم يصدر حتى الآن أي حكم قضائي نهائي بحبس أيّ من أعضاء الالتراس، وخصوصاً أولئك المنتمين الى الأهلي والزمالك الذين يشكلون العدد الأكبر بين روابط الالتراس المختلفة.
ووفقاً لإحصائيات غير رسمية، فإن عدد الالتراس يصل إلى نحو 200 ألف شخص تقريباً، غالبيتهم من الشبان الذين لم يتجاوزوا الـ25 من العمر، علماً بأن قيادات الالتراس يبتعدون عن الظهور والتواصل مع محيطهم، ولا يُعرف سوى شخص أو اثنين منهم بشكلٍ علني، كونهم يرفضون عادة الظهور إعلامياً.

ولادة التراس الأحزاب

بطبيعة الحال، فإن طريقة عمل الالتراس تمتاز بالسرية المطلقة في التحركات والاعلان عن مواعيدها باستثناءات قليلة، الأمر الذي يفرض عليهم الاختفاء على المستوى الإعلامي وعدم تسمية متحدثين باسمهم، إضافة إلى تلقّي التعليمات من خلال «كابوهات»، وهي تعني في لغة الالتراس قيادات كل مجموعة التي ترتبط جغرافياً بعضها ببعض، ما يسهل المحافظة على سرية القرارات، خاصة في ما يتعلق بالوقفات الاحتجاجية التي تفاجئ الأمن عادة.
كذلك حاول عدد من السياسيين استغلال روابط الالتراس خلال الانتخابات الرئاسية، لكن أيّاً من الروابط لم تدعم رسمياً مرشحاً معيّناً، بينما قام حزب الحرية والعدالة بتدشين أول التراس سياسي لدعم الرئيس السابق محمد مرسي مستعيناً بأعضاء من التراس كرة القدم لتعليم شباب الإخوان تحركات الالتراس، حيث تبع هذا الموقف تكوين التراسات سياسية بامتياز مثل «التراس ربعاوي»، «التراس نهضاوي»، و«التراس أبو الفتوح»، وهي روابط التراس لم تنجح في التحرك في الشارع بشكلٍ قوي حيث لا تضم سوى عشرات الشبان.
حتى الآن لا تبدو جهات الدولة قادرة على احتواء شبان الالتراس والاستفادة من حماستهم، رغم الانفتاح عليهم عبر دعوة الرئيس عبد الفتاح السيسي لهم من أجل المشاركة في حفل افتتاح قناة السويس في آب المقبل.
وفي وقتٍ يحاول فيه رئيس نادي الأهلي محمود طاهر احتواء شبان التراس نادي الأهلي والاستفادة منهم، يقوم رئيس نادي الزمالك بشن حرب ضدهم ويصفهم بالبلطجية، في موقف يعبّر عن التضارب الرهيب في التعامل مع هذه الظاهرة.




نزالات مع الدولة لا تنتهي

مواجهات الألتراس مع الدولة لا تنتهي، وقد نجح الألتراس في الضغط على المجلس العسكري خلال أحداث محمد محمود الأولى في تشرين الثاني 2011، حيث استجاب المجلس لتحركات الشبان في مواجهة وزارة الداخلية، واختصر المرحلة الانتقالية الأولى لتكون 16 شهراً.
وبعدما سقط أحد أعضاء ألتراس الأهلي، وهو محمد مصطفى لاعب منتخب مصر للتنس قتيلاً برصاص قوات الجيش، صمّم الالتراس صورةً له وكتبوا عليها كلمة «البلطجية» بنفس لون زيّ الجيش المموّه، وهتفوا «يسقط يسقط حكم العسكر»، وقد تضامن ألتراس الزمالك مع زملائهم، رافعين لافتة «المجلس والأيدي الخفية إيد واحدة».
المذبحة الأكبر التي تعرض لها الألتراس كانت خلال مباراة الأهلي والمصري وعرفت بمجزرة بورسعيد التي سقط خلالها 74 قتيلاً من ألتراس الأهلي. وعاد الأمر وتكرر أخيراً، لكن مع ألتراس الزمالك الذي قتل 25 من أفراده، فبات يطالب الألتراس اليوم بمنع الداخلية من تأمين المباريات واقتصارها على شركات خاصة أو مسؤولي الأمن في الملاعب لتجنب الاحتكاك مع الدولة.