في عيد العشاق، تنقذ وردة الجوري الحمراء أهل العيد الفقراء. يكتفي الحبيبان بالهدية الصغيرة. وردة وحيدة تقضي غرض التعبير عن الحب بأقلّ كلفة مادية. لكن الورود التي تدفئ القلوب تحتاج إلى طقس دافئ لتزهر. ولأن موسم الجوري اللبناني يزهر في الربيع، يستورد التجار وردة العشاق من كينيا والهند والسعودية...


قبل شهر من عيد العشاق، يبدأ تجار الزهور باستيراد حوالى مليوني وردة جوري حمراء. في السابق، كانت الوجهة الكلاسيكية، هولندا. حالياً، يزرع بعض التجار الهولنديين ورودهم في كينيا بالدرجة الأولى ثم الهند، بسبب برودة الطقس والكلفة المتدنية.
الطقس البارد الذي يسبق عيد العشاق في لبنان يؤخر نضوج الجوري، الذي يزرع في شهر كانون، حتى بداية الربيع. في العدوسية، لم يلحق الجوري بالعيد. لكن للبلدة مساهمتها الوفيرة فيه. «جنة الأزهار» في ساحل الزهراني، كما توصف البلدة، متخصصة بمواكبة الفرح والحب. تعوّض عن الجوري الذي لا يزال صغيراً، بأنواع أخرى تستكمل باقة الزهر التي تشكل الهدية الأكثر انتشاراً. «أكسسوارات» تدّعم الباقة وتغنيها لمن يرغب أو لمن يملك القدرة المادية.

حاضرة في كلّ المواسم

معنية أرض العدوسية بكل الأعياد. تحرث وتزرع وتقطف وفق تقويم الأعياد على مدار السنة. لكن رأس السنة فيها، عيد الأم. يقول بشارة أيوب الذي أدخل زراعة الزهور إلى بلدته قبل عشرين عاماً، إن «عيد العشاق للتاجر الذي يستورد من الخارج وليس للمزارع. إنما عيد الأم للفقير، شو ما طلّعنا بيروح». حالياً، يرفع التجار سعر الوردة الحمراء لأنها مستوردة ولأنه موسم. أصحاب محال الزهور يرفعون بدورهم السعر. الأسعار تنخفض بحلول الربيع. يستفيدون من موسم عيد الأم، قبل أن تغرق السوق بمختلف أنواع الزهور المحلية والمستوردة. ولأن لا رقابة على الواردات ولا دعم للمزارع «تتلف كميات كبيرة بدل أن تدعمنا الدولة بتصديرها إلى الخارج كما تسمح بالاستيراد» يقول الياس منصور، ابن العدوسية ونائب رئيس نقابة مزارعي الأزهار في لبنان.

يحتاج الجوري إلى اهتمام مضاعف مقارنة بالأنواع
الأخرى

في العدوسية، المزهرية المشعة عطراً ونضارة، ركن ثابت في كل بيت في العدوسية كما الأكل والشرب والأثاث. الأطفال يعرفون أنواع الإيستوما والجاربيرا وكريزونتا والمنتور والسوفيل والقرنفل... ومواسمها والأمراض التي تفتك بها. الفرح والجمال المرتبط بالزهور يتعداه في العدوسية إلى مهنة لها خيرها ولها قهرها.
كانت الزهور تجلب الفرح لأبنائها المزارعين، كما لمن يتلقى الباقة في عيد العشاق أو غيره. أيوب سمع صديقه يتحدث عن قطاع الأزهار. كان غريباً عن البلدة ومحيطها الجنوبي. أيوب نفسه ورث زراعة الخضر عن والده. لكنه أراد فعل شيء مختلف عن الخيار والبندورة. أعجبته الفكرة. قصد تجاراً في بيروت ليسألهم عن السبيل لدخول القطاع. احتفظ بخيم الخضر البلاستيكية، وفي الوقت نفسه قرر تجربة الزهور. في أقل من 700 متر مربع، زرع زهور «الجاربيرا» في نيسان. عقّم التربة أولاً من الجراثيم والأمراض التي تحوم حول الخضر. ربح من الموسم الصغير ضعفي الكلفة. تجربة أيوب أغوت زميله غسان لبّس الذي زرع زهور الإيستوما والمنتور. في غضون أشهر، تحوّلت البلدة الصغيرة إلى حديقة متكاملة. يلفت منصور إلى أن الأهالي الذين لا يعدّون أكثر من 300، راق لهم الربح الوفير الذي لم يجنوه من الخضر والحمضيات التي نشأوا على زراعتها. البعض زرع في حديقة منزله و«مشي حاله».
على مر السنوات، باتت المنافسة تدخل أنواعاً جديدة من الزهور. أيوب ركّز على الجوري لأنه يبقى الأغلى على مدار السنة. زرع ثلاث دونمات على مدى ست سنوات قبل أن يعدل عن هذا النوع. التغيّر المناخي ضرب بعض المواسم التي تنمو في جو بارد. يشير إلى أن الجوري يحتاج إلى اهتمام مضاعف مقارنة بالأنواع الأخرى. تربة معقمة ومبيدات وطقس بارد و«معلمية» بقطفه. يقص المزارع الوردة بحسب طول غصنها وعدد أوراقها. حالياً، تنشط زراعته في جبيل والبقاع وجبل لبنان وبجوار دير المخلص في جون.

زحف التوليب

«أفضل نوع ورد جوري في السوق هو الجوري السعودي»، يجزم الياس منصور. يلفت إلى أن ميزته تكمن في حجم زر الورد الكبير وطوله الفارع ورائحته العبقة وألوانه الزاهية التي تضاهي الألوان الهولندية. تلك الميزات جعلت منه النوع الأغلى. تاجر واحد في لبنان يستورد الجوري السعودي. لكنه مخصّص لفئة معينة من الزبائن. «من يطلب باقة ثمينة أو تجهيز عرس ملوكي، يطلب الورد الملكي السعودي» بحسب منصور. لكن النوع اللبناني «لا يقل أهمية لو حظي بدعم وترشيد من الدولة».
وللتعويض عن فقدان الجوري في موسم عيد العشاق وارتهان السوق للتجار المستوردين، بدأ بعض المزارعين بتنشيط زهرة التوليب. برغم سعرها المرتفع، إلا أن المزارع يتكلف في البدء على شتلتها الأولى قبل أن يعمد لاحقاً إلى اجتزاء شتلة من شتلات عدة. ربما على نحو تدريجي، يستبدل العشاق وردتهم الجورية بالتوليب. لكن من ينزعه من ذاكرة الحب الجماعية ومن الأغاني والقصائد؟